أبو نصر الفارابي

97

الجمع بين رأيي الحكيمين

كذلك مهما كانت النفس المتخلّقة ببعض الاخلاق ، ثم تكلفت اكتساب « 147 » خلق جديد ، كان الاخلاق التي معها كالأشياء الطبيعية لها ، وهذه المكتسبة الجديدة ، اعتيادية « 148 » ، ثم إن مرّت على هذه ودامت على اكتساب خلق ثالث ، صارت تلك بمنزلة الطبيعية ، وذلك بالإضافة إلى هذه الجديدة المكتسبة . فمهما « 149 » رأيت أفلاطون أو غيره يقول : ان من الاخلاق ما هي طبيعية ، ومنها ما هي مكتسبة ، فاعلم ما ذكرناه ، وتفهمه من فحوى كلامهم ، لئلا يشكل عليك الامر ؛ فظن أن من الاخلاق ما هي طبيعية بالحقيقة ، لا يمكن زوالها . فان ذلك شنيع جدا . ونفس اللفظ يناقض معناه إذا تؤمّل فيه جدا « 150 » . عاشرا - مسألة المعرفة : مسألة المثل عند أفلاطون ، وموقف أرسطو منها ومن ذلك أيضا ، ان ارسطوطاليس قد أورد في كتاب « البرهان » شكّا ان الذي يطلب علما ما ، لا يخلو من أحد الوجهين : فإنه ، اما ان يطلب ما يجهله ، أو ما يعلمه . فإن كان يطلب ما يجهله ، فكيف يوقن « 151 » في تعلمه انه هو الذي كان يطلبه ؟ وان كان يطلب ما يعلمه ، فطلبه علما « 152 » ثانيا فضل لا يحتاج اليه . ثم احدث « 153 » الكلام في ذلك إلى أن قال : ان الذي يطلب علم شيء من الأشياء ، انما يطلب في شيء آخر ما قد وجد في نفسه على التحصيل ، مثل ان المساواة وغير المساواة موجودتان في النفس ، والذي يطلب الخشبة ، هل هي مساوية أو غير مساوية « 154 » ، انما يطلب ما لها منها على التحصيل . فإذا وجد أحدهما فكأنه يذكر ما كان موجودا في نفسه ؛ ثم إن كانت مساوية ، فبالمساواة ؛ وان كانت غير مساوية ، فبغير المساواة . وأفلاطون بيّن في كتابه المعروف ب « فاذن » ان التعلّم تذكر ، واتى على ذلك الحجج يحكيها عن سقراط في مسائلاته ومجاوباته في امر المساوي والمساواة ؛ وان المساواة هي التي تكون في النفس ، وان المساوي ، مثل الخشبة أو غيرها مما تكون مساوية لغيرها متى أحس بها الانسان ، تذكّر المساواة التي كانت في النفس ؛ فعلم أن هذا المساوي انما كان مساويا بمساواة شبيهة بالتي في النفس . وكذلك سائر ما يتعلّم ، انما يتذكر ما في النفس . واللّه اعلم .

--> ( 147 ) « ا » اكتساب ؛ « ب » باكتساب . ( 148 ) « ا » اعتيادية ؛ « ب » اعتبارية . ( 149 ) « ا » فمهما ؛ « ب » فيما . ( 150 ) « ا » جدا ؛ « ب » توحيدا ؛ « د » فيه جدا . ( 151 ) « ا » يوقف ؛ « ب » يوقن . ( 152 ) « ا » « ب » فطلب علمه ؛ « د » فطلبه علما . ( 153 ) « ا » احدث ؛ « ب » اجذب . ( 154 ) يضاف : لخشبة أخرى - لتوضيح المعنى