أبو نصر الفارابي
94
الجمع بين رأيي الحكيمين
ما ادركه . ولو كان كلا الفريقين ارخوا أعينهم « 115 » قليلا ، وتوسطوا النظر وقصدوا « 116 » الحق ، وهجروا طريق العصبية ، لعلموا ان الافلاطونيّين انما أرادوا بلفظ الخروج معنى غير معنى خروج الجسم من المكان . وانما اضطرهم إلى اطلاق لفظ « الخروج » ضرورة العبارة وضيق اللغة ، وعدم لفظ يدل على اثبات القوى من غير أن يخيل الخروج الذي للأجسام . وان أصحاب ارسطوطاليس أيضا أرادوا بلفظ « الانفعال » معنى غير معنى الانفعال الذي يكون في الكيفية مع الاستحالة والتغير . وظاهر ان الشيء الذي يشبه بشيء ما ، تكون ذاته وانيّته « 117 » غير المشبه به . ومتى نظرنا بعين النصفة في هذا الامر ، علمنا أن هاهنا قوة واصلة بين البصر والمبصر ؛ وان من شنع على أصحاب أفلاطون في قولهم ان قوة ما تخرج من البصر فتلاقي المبصر ، فان قوله ان الهواء يحمل لون المبصر ، فتؤديه إلى البصر ليلاقيه « 118 » مماسا ، ليس بدون قولهم في الشناعة . فإن كان ما يلزم أقاويل أولئك في اثبات القوة وخروجها ، يلزم قول هؤلاء في حمل الهواء الألوان وابدائها إلى الابصار . فظاهر ان هذه وأشباهها معان لطيفة دقيقة « 119 » ، تنبّه لها المتفلسفون وبحثوا عنها ، واضطرّهم الامر إلى العبارة عنها بالألفاظ القريبة « 120 » من تلك المعاني ؛ ولم يجدوا لها الفاظا موضوعة مفردة « 121 » يعبر عنها حقّ العبارة ، من غير « 122 » اشتراك يعرض فيها . فلما كان ذلك كذلك ، وجدوا « 123 » العائبون مقالا ، فقالوا : وأكثر ما يقع من المخالفة انما يقع في أمثال هذه المعاني للأسباب التي ذكرناها . وذلك لا يخلو من أحد « 124 » امرين : اما لتخلف ، واما لمعاندة . فاما ذو الذهن الصحيح والرأي السديد والعقل « 125 » الرصين المحكم الثابت « 126 » ، إذا لم يتعمّد « 127 » التمويه أو تعصّب أو مغالبة ، فقلّما يعتقد خلاف ان العالم اطلق لفظا على سبيل
--> ( 115 ) « ا » أعينهم ؛ « ب » عينهم . ( 116 ) « ا » وقصدوا ؛ « ب » وقصد . ( 117 ) « ا » وانيته ؛ « ب » وآينة . ( 118 ) « ا » ليلاقيه ؛ « ب » فيلاقي . ( 119 ) « ا » تنبه لها ؛ « ب » نبه بها . ( 120 ) « ا » الغريبة ؛ « ب » القريبة . ( 121 ) « ب » ناقص [ مفردة ] . ( 122 ) « ب » ناقص [ غير ] . ( 123 ) الأصح : وجد . ( 124 ) « ب » ناقص [ أحد ] . ( 125 ) « ا » والعقل ؛ « ب » والفعل . ( 126 ) « ب » ناقص [ المحكم الثابت ] ( 127 ) « ا » يتعمد « ب » يتعهد .