أبو نصر الفارابي

92

الجمع بين رأيي الحكيمين

وأفلاطون يرى أن الابصار انما يكون بخروج شيء من البصر وملاقاته المبصر « 99 » . وقد أكثر المفسرون من الفريقين الخوض في هذا الباب ؛ وأرادوا من الحجج والشناعات والالزامات ؛ وحرّفوا أقاويل الائمّة عن سننها المقصودة بها ، وتأوّلوا « 100 » تأويلات انساغت لهم معها الشناعات ، وجانبوا طريق الانصاف والحق . وذلك ان أصحاب ارسطوطاليس ، لما سمعوا قول أصحاب أفلاطون في الابصار ، وانه انما يكون بخروج شيء من البصر ، قالوا إن الخروج انما يكون للجسم ، وهذا الجسم الذي زعموا انه يخرج من البصر ، امّا ان يكون هواء أو ضوءا أو نارا . وان كان هواء ، فان الهواء قد يوجد فيما بين البصر والمبصر ، فما حاجة إلى خروج هواء آخر ؟ وان كان ضياء ، فان الضياء أيضا قد يوجد في الهواء الذي بين البصر والمبصر ، فالضياء الخارج من البصر فضل لا يحتاج اليه . وأيضا ، فإنه وان كان ضياء ، فلم احتيج معه إلى الضياء الراكد بين البصر والمبصر ؟ ولم لا يغني هذا الضياء الخارج من البصر عن الضياء الذي يحتاج اليه في الهواء ؟ ولم لا يبصر في الظلمة ، ان كان الذي يخرج من البصر هو ضياء ؟ وأيضا ، ان قيل إن الضياء الذي يخرج من البصر يكون ضعيفا ، فلم لا يقوى إذا اجتمعت ابصار كثيرة بالليل على النظر إلى شيء واحد ، كما نرى من ذلك من قوة الضوء عند اجتماع السرج « 101 » الكثيرة ؟ وان كان نارا ، فلم لا يحمي ولا يحرق ، مثل ما تفعله النار ؟ ولم لا ينطفي في المياه ، كما تنطفي النار ؟ ولم ( لا ) ينفذ إلى أسفل كما ينفذ إلى فوق ، وليس من شأن النار ان تنفذ إلى الأسفل ؟ وأيضا ، ان قيل إن الذي يخرج عن البصر شيء آخر غير هذه الأشياء ، فلم لا يتلاقى ولا يتصادم عند مقابلة المناظر ، فيمنع الناظرين المتقابلين عن الادراك النظري ؟ هذه وما أشبهها « 102 » من الشناعات التي وقعت لهم ، عند تحريفهم لفظ الخروج عن مقصود القول ، وجريهم « 103 » إلى الخروج الذي يقال في الأجسام . ثم إن أصحاب أفلاطون ، لمّا سمعوا أقوال أصحاب ارسطوطاليس في الابصار ، وانه انما يكون بالانفعال ، حرّفوا هذه اللفظة بان قالوا : ان الانفعال لا يخلو من تأثر « 104 » واستحالة ، وتغير في الكيفية . . وهذا الانفعال ، اما ان يكون في العضو الباصر ، أو في الجسم المشفّ « 105 » الذي بين البصر والمبصر . فإن كان في العضو لزم ان

--> ( 99 ) « ا » لمبصر ؛ « ب » المبصر . ( 100 ) « ا » وتأولوا ؛ « ب » وتالولها . ( 101 ) « ا » السرج ؛ « ب » البرج . ( 102 ) « ا » وما أشبهها ؛ « ب » وأشباهها . ( 103 ) « ا » وحديهم ؛ « ب » وجدتهم ؛ « د » وجريهم . ( 104 ) « ا » تأثر ؛ « ب » تأثير . ( 105 ) « ا » المشف ؛ « ب » المشتق .