أرسطو

6

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

جهله المعاصرون أو استهانوا به . فلنترك العامة وشأنهم من غير أن نسخط عليهم ومن غير أن نجاريهم على ما هم فيه . على أن تأثير الفلسفة مباشرة في الزمان الذي تعيش فيه غرور وخيال لتعلل به الكبرياء ، ولكنه لا يتحقق أبدا فان ذلك بطبيعة الأشياء محال ، إذ الحق لا يستطيع أن يسلك سبيله على نحو هذه السرعة التي هي مناط الزلل ، إنما تحتاج الفلسفة لمرور القرون حتى تفعل فعلها فيها . فكل شئ في مبدئه ضئيل ، كذلك الدين الذي له على الأمم هذا السلطان الشامل المفيد كاد لا يكون في مبدئه أقوى من الفلسفة ، فإنه يبتدئ مضطربا خاشعا ودعاته قليلون لا لأنهم معرّضون إلى أن يساموا العذاب شهداء اعتقادهم فقط ، بل لأن النور عند طلوعه لا يراه إلا قليل من الأبصار ، فعلام تكون الفلسفة أقل اصطبارا ، لم تعترف اليونان بفضل أفلاطون الذي قتلت أستاذه ، وغاية الأمر أنها أخذت تصغى بعض الشئ إلى تعاليم أرسطو ، ولكن هل كان إهمال الناس للفلسفة - ذلك الاهمال الذي ما يكون لها أن تدهش له ولا أن تأخذها الحيرة من جرّائه - مانعا لأفلاطون وأرسطو من أن يعلما الأجيال ، وأن يكونا من وجوه شتى أستاذي عصرنا الحاضر ؟ فليس على علم الأخلاق إذن إلا أن يستمر في عمله واثقا من أنه سوف يجنى ثماره حتى في أشدّ البقاع محلّا بشرط أن يستكشف الحق أو أن يزيد في قدره . ثم إذا جوّدنا اعتبار الأشياء ، فأي مزية لا نعرفها لعلم الأخلاق على بقية العلوم الأخرى من غير استثناء ؟ أيها يمكن أن يضارعه في وضوحه المعدوم النظير ؟ لا شك في أنه لا يلزم البتة الحط من صحة العلوم الطبيعية ولا من صحة العلوم الرياضية على الأخص ، ولكنها لا تزال بعيدة عن صحة علم الأخلاق ! فان القضايا التي تعلمنا إياها