أرسطو
تصدير 29
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
إنما هو منصرف في النظر إلى الحياة الدنيا من مكان رفيع والانقباض عن الدخول في غمارها والتثاقل عن المزاحمة على ما يتناحر الناس عليه عادة . وما نظن أرسطوطاليس مستثنى من هذا الميل العام مع أنه لم يكن كأفلاطون متسلبا من الثروة ومن العائلة . بل على الضدّ من هذا كان ذا مال وعيال . ذلك بأن أرسطو لم يعلم عنه هو أيضا أنه اشتغل بالذات في السياسة العملية أو تعصّب علنا لحكومة أو عليها سواء أكان ذلك في مقدونيا أم في آثينا ، وإن كان الآثينيون أوجسوا منه خيفة التعصب للمقدونيين بعد وفاة الإسكندر وأضمروا الانتقام منه لميله للمقدونيين كما سيجئ بعد . بل كل عمل أرسطو في السياسة ، على صداقته لفيلبس والإسكندر ، لا يكاد يتعدى السياسة النظرية . حق أن أرسطو قد خالف أستاذه كل المخالفة فقرر أن الإنسان حيوان اجتماعي . وبنى نظرياته السياسية على فصل الأوطان ، وهدى إلى استقلال المدائن بعضها عن بعض حتى لقد كان يظن أن الدولة لا يصح أن يزيد عدد أعضائها عن مائة ألف « 1 » مع أنه لا يرفض حكومة الملك . ليس معنى ذلك أنه يؤثر حكومة المستبد العادل . بل نظرا إلى أنه جعل الخير الأعلى في سعادة الجماعة كما جعله في سعادة الفرد لم يلتزم تفضيل شكل بذاته من أشكال الحكومة أيا كانت حال شعبها . بل آثر حكومة الملك في الشعوب التي اعتادت الاستعباد ، وبشرط أن يكون أساس هذه الحكومة هو الرعاية الأبويّة التي ينبغي أن يلتزمها الملك في حق رعاياه . أما في المدائن الحرة فإنه يرى وجوب اشتراك الأفراد في السلطان : بعضهم كما في الأرسطقراطية ، وكلّهم كما في الديمقراطية . وربما آثر الحكومة المختلطة من هذين الصنفين .
--> ( 1 ) الأخلاق إلى نيقوماخوس ك 9 ب 10 ف 3 ج 2 ص 316