أرسطو
53
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
الجمعية - وليس فيها إلا أشرار - غير مستطيعة أن تبقى يوما واحدا . إن هذه القاعدة العتيقة : « الشبيه يبحث عن الشبيه » ليست صادقة إلا بالنصف ، فان الرجل الخيّر هو وحده صديق الرجل الخيّر . أما الشرير فإنه لا يستطيع البتة أن يعقد صداقة حقيقية ، لا مع الخيّر ولا مع الشرير شبيهه . ولما كان الشرير لا ثبات له على حال متغيرا متخالفا مع نفسه مضادّا لها ، كان بعيدا عليه أن يشابه غيره ويحبه . وحيثما اقترب الشرير من شبيهه واشترك « 1 » معه ، صار عدوّه حتما ، لأنه سيعتدى عليه بعض الشئ . وكيف يكون ممكنا أن يبقى المعتدى والمعتدى عليه صديقين ؟ على ضدّ ذلك الفضيلة تدعو بالطبع بين القلوب التي تساوت في حبها إلى المودة والرحمة المتبادلة وهي كفيل السلام في المملكة . إن الأهالي مرتبطون فيما بينهم ، لأنهم يسعون جميعا إلى الخير الذي فرضوه واجبا مقدّسا على أنفسهم طول حياتهم . ولكن قلبا كريما لا يكتفى بهذه الرعاية التي يشعر بها طبعا نحو الذين يشابهونه ، بل الفضيلة تلهمه إحساسا أصعب من ذلك وأعز ، فإنه لما كان لا يقصر شأنه في المعاملة على الأخيار ، كان لازما عليه أن يعرف كيف يعيش مع الأشرار ، ولما كان محظورا عليه البتة أن يأتي الشر ، كان لا يعمل الشر لأعدائه ، كما لا يعمله لأصدقائه . ذلك منه بعيد ، فإنه يعرف أن الشر الذي يقع على الأشرار يزيدهم رذيلة على رذيلتهم ، شأن تلك الدواب الشّمس ، يضربها السائس الأخطل ، فتصير بذلك غير قابلة للتذليل . وما فعل الشر حتى بالأشرار إلا قاعدة لا يجرى عليها غير الطغاة أو المجانين أمثال « فرديكاس » و « يريندر » و « اكزركسيس » . أما الرجل الحكيم فإنه على الضدّ من ذلك ، يلطف الشرير بما يعمله له من الخير ، أو على الأقل بما يضربه له من المثل
--> ( 1 ) أفلاطون - فروطاغوراس ص 38 - ليزيس ص 59 - فيدر ص 68 .