أرسطو

49

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

خيرا على الآخر فحينئذ يقال عن الانسان في معرض التوبيخ : إنه عبد نفسه وغير معتدل . ثم إن أفلاطون ينبه في مواطن شتى على أنه متى أحسن الانسان بالرغبات تجذبه على رغم العقل ، وبخّ نفسه وسخط على ذلك الذي يكرهنا وهو داخل صدورنا « 1 » . تلك هي الحرية في كل حالاتها من القوّة والضعف ، ومن المجد والخزي ، ومن الرفعة والانحطاط ، ولكن كيف ساغ لأفلاطون تقرير أن الرذيلة والفضيلة هما قسريتان لا خيار للمرء فيهما ، في حين أنه يصف بغاية الوضوح وجوه النزاع على ما ذكرنا ؟ كذلك لم يكن أفلاطون أصح نظرا إذ يرى أن الفضيلة هي العلم ، وأن معرفة الخير كافية لإتيانه . حقا أن من الضلال البعيد أن يعرف المرء أن ما يأتيه هو الشر ، ولا تمنعه هذه المعرفة من إتيانه ، غير أن هذا الضلال مع ذلك كثير الوقوع جدّا . وإن ذلك التنازع الشديد بين العقل وبين الشهوة هو أمر مسلم به . ونظرا إلى أن الفيلسوف ينبغي أن يحب الحق أكثر من الانسانية ، وجب عليه أن يعترف - ولو مع الأسف - بهذا الانحطاط الحقيقي للطبع الانساني . فليس ما يقع الانسان فيه من الإثم ناشئا عن خطأ في الموازنة بين اللذة الحاضرة وبين الآلام المستقبلة التي هي أكبر منها كما يعتقد سقراط ، ولا ناشئا عن جهل بطبائع الأشياء ، إنما منشؤه فساد في الخلق يحمل الانسان على تفضيل الشر على الخير وهو عالم بهما وبقيمة كليهما جميعا . فإن الشرير لا يجهل البتة ما يفعل من سوء ، بل هو على الضدّ من ذلك يعجب بنفسه فيما هو سادر فيه من الرذيلة . إنه يشعر تماما بخسرانه ، ولكنه يسعى إلى هذا الخسران وهو آسف . إنما هزيمة عقله نفسها هي الفاعلة للخطيئة ، لأنه إذا كان يجهل

--> ( 1 ) أفلاطون - فروطاغوراس ص 104 - القوانين ك 1 ص 8 و 26 و 31 و 62 وك 8 ص 20 وك 10 ص 265 - الجمهورية ك 4 ص 216 و 236 ، مثل ليونس بن أغاثون .