أرسطو

47

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

ميول الخير ، كما لم يسوّ بينهم فيما قدّر من ميول الشر . فالفضيلة ميسورة للذي يجمع بين عقل مستنير وشهوات هادئة . لكنها أكثر مشقة على المخلوق الجافي الطبع الذي أوتى من الذكاء حظا قليلا بجانب غرائز متحكمة . على أن الفضيلة مهما يكن من سهولتها أو صعوبتها ، فإنها الفضيلة على كل حال ، أعنى حربا بين العقل والشهوات . ولو رجع أفلاطون إلى أصل اشتقاق هذه الكلمة في اللغة الإغريقية ، لوجد أن الفضيلة هي الخيار بين طرفين متضادّين ، وأنها تستمدّ شرفها من مقاومة الطرف الذي نبذته . وهذه المقاومة هي من عمل الانسان يأتيها ويدأب عليها . ومهما كانت القوى التي وهب اللّه الانسان ، فإنه قد يستطيع أن لا يستعملها ، وأن يرضى بالهزيمة وهو واثق بقدرته على الانتصار . إن الملكات التي تجعل الفضيلة ممكنة هي من عند اللّه ، ولكن الفضيلة نفسها هي من عند أنفسنا ، وهي محل للاحترام والثناء كما أن الرذيلة محل للاحتقار . لا شك في أن الفضيلة بالمرون الطويل المتواصل تصير طبيعية لدى القلب الذي يتمسك بها ، طبيعية إلى حدّ أنه يظن أنها كانت في حيازته على الدوام . غير أن سقراط لو شاء أن يرجع إلى عهوده الشخصية الأولى ، لادّكر على ما يظهر أنه مر به زمان لم تكن فضيلته على ما صارت اليه آخر أمره ، إذ رفض معونة « كريتون » وإذ ألقى على القضاة خطابا كان سبب إعدامه . فالفضيلة يمكن اذن أن تتعلّم . وعلى ذلك يمكن أن تعلّم . وإنه ليجب على الانسان الذي أوتى هذا الكنز أن يشكر اللّه على ما أمتعه به من نفائسه . ولكنه يكون ظالما لنفسه إذا هو لم ينسب الفضيلة إلى ذاته . من الحسن أن يكون المرء متواضعا ، كما كان سقراط في كل حياته ، ولكن التواضع غير مانع من أن ينصف المرء نفسه . وما دام الانسان يسند إلى نفسه الجريمة يمكنه أيضا أن يسند إليها الفضيلة .