أبو نصر الفارابي
71
الأعمال الفلسفية
3 - « التعليقات » بين الفارابي وابن سينا : يثار في مجال كهذا ؛ أنّ هناك رسالة تنسب إلى الشيخ الرئيس ابن سينا ( ت 428 ه ) تحمل ذات الاسم والعنوان ، نشرها محقّقة على مخطوطتين عام 1973 الدكتور عبد الرحمن بدوي في القاهرة 47 . . فما علاقة هذه بتلك ؟ أقول ، بادئ ذي بدء ، إنّ « تعليقات » ابن سينا تمثّل رسالة مطوّلة ، دوّنها وعلّقها عنه تلميذه أبو الحسن بهمنيار بن المرزبان ( ت 458 ه ) - سواء عن طريق الإملاء أو التحرير - وتتميّز « التعليقات السينوية » بكونها أكثر تفصيلا وأوسع مادّة من « تعليقات » أبي نصر الفارابي . فهي تقرّر موضوعات فلسفية متعددة الجوانب ؛ لها براهينها وطرائقها وأدلّتها ، ولا تخلو تلك الموضوعات من تكرار يختلف بالصياغة والتعبير ، وتبتعد بطبيعتها عن المنهج التعليمي للفلسفة - رغم سعة مفرداتها الاصطلاحية - وتفتقر ( كما عليه الحال بالنسبة للفارابي ) إلى التنظيم والتسلسل الموضوعي الذي اعتادته كتب الحكمة عند الإسلاميين ؛ حيث تبدأ بمفردات المنطق وتنتهي بمباحث الإلهيات ( الميتافيزيقيا ) . ولا عيب يلحق « التعليقات » بصفتها هذه ، فهي لا تمتلك طبيعة المؤلّف الفلسفي المتكامل ، بل هي « تعليقات » لمسائل سئل عنها الفيلسوف فحسب . وإذا قيس الأمر إلى « تعليقات » أبي نصر ظهر لنا أنّ الأخيرة كلام مرسل ، كثيره يخلو من الأدلة ، مكثّف بشكل يدل على دقّة صاحبه وضنّه بالترسل الطويل . وتنضاف إلى تلك الحقيقة ؛ حقيقة أخرى هي أنّ الشيخ الرئيس ابن سينا في اطلاعه وتلمذته على كتب الفارابي تأثّر بعناصر مختلفة من مفاهيمها وأفكارها ، وقد أشار هو إلى هذا التأثّر في أكثر من رسالة ومقالة 48 ، فلا غرابة إذن في أن نجد فكرا فارابيا مصوغا بلغة