أبو نصر الفارابي

63

الأعمال الفلسفية

التام بأنّ الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر ؛ فنحن لا نعرف من الأشياء إلّا الخواصّ واللوازم والأعراض ، ونفتقر إلى الفصول المقوّمة لكلّ منها التي تقودنا إلى الوقوف على حقيقتها . ومن هنا ، وفي مثل هذه المرحلة ، نحن نجهل حقائق عدّة كحقيقة اللّه وحقيقة العقل وحقيقة النفس ، ونجهل حقيقة الجوهر والجسم ولا نعرف منه سوى الأبعاد الثلاثة . فمعرفتنا مقتصرة على الظواهر فحسب ، ونابعة عن الإحساس ؛ لأنّ مبدأ معرفة الإنسان للأشياء هو الحسّ - كما بسطنا من قبل - ثمّ يميّز بوساطة العقل بين المتشابهات والمتباينات ، ويعرف حينئذ بعض لوازمها وذاتياتها وخواصّها . ولعل ظواهرية الفارابي هذه كانت بسبب ما استشعره من صعوبات ( الدلالة الكلّية ) للأشياء وتباين درجاتها في الأحكام والتحديد ، بحيث لا تبدو - رغم كلّيتها - مطلقة في المعنى المقصود من مفاهيمها . وكأنّ البناء العقلي لنظرية المعرفة يمرّ بمرحلتين وجوديتين : أولاهما تلك التي ترتبط بالمحسوسات قبل أن تستوي صورها ، أي بدلالة الاستعداد لتقبلها فحسب ، والأخرى تلك التي تبلغ فيها حال الانطباع فعلا فتستحيل إلى صور مجرّدة - وليست هناك قبليات ما وراء الحسّ قائمة بذاتها كي تحقّق صور هذه المعرفة سوى مفهوم الاستعداد ليس غير ، سواء كان هذا الإدراك متأت عن طريق جدل صاعد أو كان متأت عن طريق جدل نازل ، ففي الحالين يبقى العقل الإنساني في « تعليقات » أبي نصر عبارة عن استعداد لتقبّل هذه المعرفة الحسّية تارة والمفارقة تارة أخرى ، وتبقى القوّة الناطقة هي المنظومة المتكاملة من المعرفة الإنسانية ؛ مهما