أبو نصر الفارابي
6
الأعمال الفلسفية
محاولته ( التوفيق ) بين الفلسفة اليونانية ومنازعها ، والعقيدة في الإسلام وغاياتها . لذا فنحن بدءا نقرّر أنّ العناصر أو الأصول الأجنبية التي لعبت دورا فكريا في الفلسفة العربية ، لم تكن لواحدة من مدارس اليونان ، بحيث ينفرد الفيلسوف بها دون سائر الاتجاهات الأخرى ، بل انعكست محاولاتهم تلك على التخيّر والتوفيق ، فظهرت الارسطية تارة ، والأفلاطونية تارة ، والأفلاطونية الجديدة والوسطى تارة أخرى ، تجتمع في مفكر واحد ، وتفترق في فكر واحد . فكأنّ التيارات الغربية انصبت بكل سماتها ومفارقاتها في جدول الفكر العربي ، فعادت خليطا ، يبدو للعيان متنافرا ؛ لولا سمة ( العقل ) التي غلبت عليه . وليس بعسير على القارئ أن يتفحص منهج أبي نصر ليقف على توفيقيته التي نروم ، خاصة في محاولته التقريب بين المذاهب الفلسفية في الإسلام والنزعة العقلانية في الكتاب الكريم ( على الرغم من فشل محاولته في الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطوطاليس كما نعتقد ) - ولعل الرائد لهذا السبيل هو الكندي الفيلسوف ، ولكن الفرق بين الرائدين أنّ الأول منهما انطلق من موقع المتكلم المسلم بينما انطلق الفارابي من موقف الفيلسوف الملتزم ، وليس الأمر يبلغ بينهما حدّ المفارقة ؛ فلكل ظرفه وعصره وكلاهما يؤمن بأنّ القاعدة هي التي تقول : لا يجتمع على صدق نقيضان فالفلسفة صدق والدين الحقّ صدق ، فلا بدّ من رفع ظواهر الخلاف بينهما ! . . . أجل ، تلك هي الأسس الرئيسة التي نهضت عليها فلسفة أبي نصر ، وقد أوضحنا بعضا من صورها فيما نشرناه عنه من بحوث ودراسات . ونختم القول هنا بإشارة مهمة تتعلق بمؤلفات أبي نصر ، حيث ينبغي لهذه الأعمال أن تظهر بنشرات تحقيقية دقيقة ومنهجية ، يلتزم فيها الباحثون جانب الدراسة التاريخية والفيلولوجية لمرحلة