أبو نصر الفارابي
53
الأعمال الفلسفية
وبهذه الدلالة ؛ فإنّ الجوهر لا ضدّ له ، والاستقراء يظهر لنا صحة هذا الحكم ، حيث لا ضدّ للإنسان ولا ضدّ للفرس مثلا . أمّا ما نلحظه من ضدّية الجسم البارد للجسم الحار ، فتلك ليست ضدّية ذاتية بل عرضية ؛ لأنّ المتضادّين فيهما هما الحرارة والبرودة فحسب . وما دام الجوهر لا ضدّية فيه ، فإذن لا يقبل خاصية الأشدّ والأضعف من حيث هو طبيعة واحدة . ولا تناقض بين هذا وكون الجوهر قد يكون بعضه أولى بالجوهرية من بعض ؛ لأنّ الأولى غير الأشدّ ؛ وذلك لأنّ الأولى يتعلق بوجود الجوهرية ، والأشدّ يتعلق بماهيتها . ويلمس الباحث ، بشكل واضح ، تشعب ردود الفيلسوف بسبب تعدّد الأسئلة وتنوّعها ، دون أن تكون هناك أيّة ضوابط منهجية - أعني دون تسلسل لموضوعات المقولات حسب ما هو متعارف في عرضها - فحديثه مثلا عن مقولة يفعل وينفعل يجرّه إلى الكلام على دلالة المضاف ؛ فيقرّر أنّ مقولة يفعل وينفعل لا تتعلقان بالإضافة ، ولكنهما يدخلان في باب اللّزوم ؛ واللّزوم منه ما يكون عرضيا ومنه ما يكون ذاتيا ، ومنه ما هو تامّ ومنه ما هو ناقص . ويسوق الفارابي مثلا على ذلك فيقول : « مثل الواحد والاثنين ؛ فإنّه ما وجد الاثنان إلّا وجد الواحد ، وليس إذا وجد الواحد وجد الاثنان لا محالة » . ولنا أن نسأل هنا هل ( يفعل وينفعل ) يتكافئان في لزوم الوجود ، بمعنى إذا وجد أحدهما وجد الآخر ؟ . يردّ الفيلسوف على ذلك بالنفي القاطع ، مؤكدا أنّهما ممّا يحدثان بين الجوهر والكيف فحسب . بينا تحدث مقولة متى وأين بين الجوهر