أبو نصر الفارابي
48
الأعمال الفلسفية
ليصل في النهاية إلى قضية الممكن وعلاقته الوجودية ، وخضوعه إلى القياس ؛ لأنّه الأمر الذي يفيد علما بوجود الشيء أو لا وجوده من غير أن نميل بالذهن إلى طرفي النقيض ، بل - كما يقول الفارابي - « أيّ فكر أو قول لا يحصّل أحد طرفي النقيض ولا ينفي الآخر ، فهو هذر باطل ! . » ومن هنا كان للتجربة وممارساتها أثرها الكبير على قضايا الممكن وتباين درجاته التي هي « الأكثر » و « الأقل » و « المتساوي » . . بينا لا نجد ذلك ملزما في الأمور الضرورية أو الممتنعة . وقد يذهب الظنّ ببعض الناس إلى الاعتقاد بأنّ الأفعال والآثار الطبيعية هي أمور ضرورية ، ولكن الواقع ليس كذلك ، بل هي - في تنظيرها الحقيقي - تدخل تحت مقولة الممكن ؛ من حيث أنّ الفعل لا يحصل إلّا بدلالتين : إحداهما تهيّؤ الفاعل للتأثير ، والأخرى تهيّؤ المنفعل للقبول ، وما لم يجتمع هذان الأمران لا يحصل فعل ولا أثر لفعل . ومن ثمّة ، فكلما كان التهيّؤ في الفاعل والقابل أتمّ ؛ كان الفعل أقرب إلى الكمال - من حيث أنّ كلّ ممكن مجهول ، وليس كلّ مجهول ممكنا . . وفي ضوء هذا التحديد ، فإنّ الممكن يقال بنحوين : أحدهما ما هو ممكن في ذاته ، والآخر ما هو ممكن بالإضافة إلى من يجهله . ويخطو الفيلسوف خطوة أخرى ؛ فيحدثنا عن دلالة الأسماء المشتركة وما قد تسببه من الانزلاق نحو الخطأ أو المغالطة ؛ من حيث أنّ الأحكام النجومية مشتركة لما هو ضروري من جهة ، ولما هو ممكن على الأكثر من جهة ، ولما هو منسوب إلى الظنّ والوضع أخرى .