أبو نصر الفارابي

33

الأعمال الفلسفية

وفي سبيل تحقيق هذه الغاية التي قصدها الفيلسوف ؛ ينبغي أن نسلك طريقين لنقف منهما على مقاصد أبي نصر بالذات . الأول : محاولة أن تصير الأخلاق الجميلة ملكة لنا ؛ بحيث لا يمكن للصواب أن يزول إلّا بعسر ومشقّة . الثاني : أن تكون لدينا القدرة على إدراك الصواب إدراكا سليما لا عوج فيه ولا ضلال . فما هي الوسيلة التي تحقّق لنا الوصول إلى المهيع الأوّل من هذين الطريقين ؟ إنّها ، وقبل كل شيء ، وسيلة الاعتياد ، والمقصود به « تكرير فعل الشيء الواحد مرارا كثيرة زمانا طويلا في أوقات متقاربة » من حيث أنّ الفعل الجميل هو ممكن للإنسان بالقوّة قبل حصوله ، وممكن بالفعل بعد حصوله ، فهو إذن بالتعوّد يتحقق ، وبالتطبيق يظهر وينمو . ولكن ما هي الآلة التي ينبغي أن نستعين بها كي تقودنا إلى الفعل الجميل حقّا ؟ . . يؤكد الفيلسوف هنا إنّها آلة « الوسط الأخلاقي » - فالأفعال متى كانت متوسطة حصل الخلق الجميل . . وما يقوله الفارابي عن « الوسط الأخلاقي » هو ذاته الذي تبناه من قبل المعلم الأول أرسطوطاليس في كتابه المعروف ( الأخلاق إلى نيقوماخوس ) 16 . فنحن حين نهدف إلى الوقوف على الوسط في الأفعال الخلقية ؛ علينا أوّلا التعرّف على زمان الفعل ومكانه « ومن منه الفعل ، ومن إليه الفعل ، وما منه الفعل ، وما به الفعل ، وما من أجله وله الفعل ،