أبو نصر الفارابي

13

الأعمال الفلسفية

والعلاقات بينها ، والكميات الفراغية والعلاقات بينها وتعميم هذه العلاقات ، ويشمل هذا العلم الهندسة والحساب والهيئة . ومن خلال هذه المعرفة يعطى طالبها المقادير والأشكال والأوضاع وجودة الترتيب واتقان التأليف وحسن النظام . وكنتيجة لهذا التدرج العلمي تظهر علوم أخرى كعلم المناظر وعلم الأكر المتحركة وعلم الأجسام السماوية وعلم الموسيقى وعلم الأثقال ( الأوزان ) وعلم الحيل ( الميكانيك ) . ومن مستلزمات هذا المنهج أن يجمع الباحث بين السبيلين اللذين أشرنا إليهما ؛ أعني برهان الإنّية وبرهان اللمّية . وفي مرحلة كهذه لا يزال المتعلّم يتعامل مع ما هو مجرد عن المادة - وفي خطوة أخرى يفرضها المنهج عيله - يتعامل مع ما هو شبه مادي ، ثم مع ما هو مادي حقيقة . وعندئذ تلوح له صور المبادي الطبيعية التي تمتزج بها المادة امتزاجا واضحا . فينظر عند ذاك في الأجسام الطبيعية وفي أجناسها ؛ أو بمعنى آخر يبدأ التعامل مع ما هو محسوس مثل الأجسام السماوية والأرض والماء والهواء والنار ومن ثمة الحجر والمعادن والنبات ، ثم يرتفع إلى الحيوان ، فالحيوان الناطق . وتجدر الإشارة هنا إلى أن مبادئ التعليم في هذه المرحلة هي غير مبادئ الوجود ، من حيث إن مبادئ التعليم في كل جنس من الأمور الطبيعية تكون متأخرة عن مبادئ وجودها . وفي بحثه عن الحيوان الناطق ، يتدرج من الطبيعة إلى ما فوقها حتى يصل إلى مرحلة العقل ويقف على مبادئه وعلى الغايات التي لأجلها كوّن الإنسان ، فيدرك عند ذاك بأنه في حاجة إلى مبادئ نطقية تقوده ، بشكل أو بآخر ، نحو الكمال . ويستشعر في