الشيخ محمد الخضري بك

80

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

يستعطفه حتى كان في العلو ، وكانت تأتيه الجفان « 1 » كل ليلة من سراة « 2 » الأنصار كسعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وأم زيد بن ثابت « 3 » فما من ليلة إلّا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد . نزول المهاجرين ولما تحوّل مع رسول اللّه أغلب المهاجرين تنافس فيهم الأنصار ، فحكّموا القرعة بينهم ، فما نزل مهاجري على أنصاري إلّا بقرعة . إخوة الإسلام ومن يتأمّل إلى هذه المحبّة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر بل بفضل من اللّه ورحمته ، يفهم كيف انتصر هؤلاء الأقوام على معانديهم من المشركين وأهل الكتاب مع قلة العدد والعدد . وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم قال تعالى في سورة الحشر وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 4 » . وهذا أعلى درجات الأخوة ، وكل ذلك كانوا يرونه قليلا بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليمكّن بينهم الإخاء ، اخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان كل أنصاري ونزيله أخوين في اللّه . ومن العبث أن نكلّف القلم أن يوضح للقارئ أن هذه الاخوة كانت أرقى بكثير من الإخوة العصبية بل نكل ذلك للإحساس الإسلامي فإنه أفصح منطقا من القلم . وعلى الإجمال فتلك قلوب ألف اللّه بينها حتى صارت شيئا واحدا في أجسام متفرقة ، وعسى اللّه أن يوفق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء حتى يسودوا كما ساد المتحدون ، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق ، وأن يتوارثوا بعد الموت دون

--> ( 1 ) القصعة ومفردها جفنة . ( 2 ) سراة كل شيء أعلاه وهم الزعماء . ( 3 ) هي النوار بنت مالك ، تزوجها بعد ثابت عمارة بن حزم . ( 4 ) اية 9 .