الشيخ محمد الخضري بك
76
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
هجرة الأنبياء وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم سنّة إخوانه من الأنبياء من قبله ، فما من نبي منهم إلّا نبت به بلاد نشأته « 1 » ، فهاجر عنها ، من إبراهيم أبي الأنبياء خليل اللّه إلى عيسى كلمة اللّه وروحه كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم ، فصبروا ليكونوا مثالا لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام في طاعة اللّه . فسل مصر وتاريخها تنبئك عن إسرائيل وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بنيها ترحيبا بهم ، وتركهم وما يعبدون إكراما ليوسف وحكمته . ولما مضت سنون ، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم ، فاضطهدوا بني إسرائيل واذوهم ، خرج بهم موسى وهارون ليتمكّنوا من إعطاء اللّه حقه في عبادته ، وهرب المسيح عليه السلام من اليهود حينما كذّبوه ، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه ( طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأنّ لهم ملكوت السماوات ) ثم قال بعد ( افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السماوات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم ) وسل القرى التي حلّت بها نقمة اللّه بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مهاجرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة ، فلا غرابة أن هاجر عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده اللّه سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا « 2 » . أعمال مكّة هذا ولنبين لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكّة من أصول الدين وذلك أمران : الأول : الاعتقاد بواحدانية اللّه وألايشرك معه في العبادة غيره ، سواء كان ذلك الغير صنما كما يفعل مشركو مكّة ، أو أبا أو زوجة أو بنتا كما عليه بعض الطوائف الأخرى كالنصارى ، ولولا الاعتقاد بواحدانية اللّه ما كلّف أحد نفسه تكاليف الحياة من آداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذّاتها ما دام ذلك خافيا عن الناس .
--> ( 1 ) لم يجد بها قرارا . ( 2 ) سورة الأحزاب اية 62 .