الشيخ محمد الخضري بك
54
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
في سورة البقرة سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها « 1 » : ولكن لم يسمع عن أي واحد من رجالاتهم والمتصدرين للعناد منهم أن قال : مالك ذممت الهتنا بعد أن مدحتها . وكان ذلك أولى لهم من تجريد السيوف وبذل مهج الرجال . على أن المؤرّخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سببا لرجوع مهاجري الحبشة يقولون أثناء كلامهم إن الهجرة كانت في رجب ، والرجوع كان في شوال . ونزول سورة النجم كان في رمضان ، فالمدة بين نزول السورة ورجوع المهاجرين شهر واحد ، والمتأمّل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان لا يكفي في ذاك الزمن للذهاب من مكة إلى الحبشة والإياب منها ، لأنه لم يكن إذ ذاك مراكب بخارية تسهّل السير في البحر ، ولا تلغراف يوصل خبر إسلام قريش لمن بالحبشة ، فلا غرابة بعد ذلك إن قلنا : أن هذه الخرافة من موضوعات أهل الأهواء الذين ابتلى اللّه بهم هذا الدين ، ولكن الحمد للّه فقد منّ علينا بحفظ كتابنا المجيد ، الذي يحكم بيننا وبين كل مفتر كذّاب ففي السورة نفسها وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى « 2 » والذي يلقيه الشيطان من أقبح ما يروى ، فكيف يقوله عليه الصلاة والسلام أو يجري على لسانه مما يثبت الشكوك في الوحي ؟ الأمر الذي يريده السفهاء ردّ اللّه كيدهم في نحرهم . والذي ورد في الصحيح في موضوع هذا السجود ما رواه عبد اللّه بن مسعود « أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ والنجم ، فسجد ، وسجد من كان معه إلّا رجلا « 3 » أخذ كفا من حصى وضعه على جبهته وقال : يكفيني هذا ، فرأيته قتل بعد كافرا » « 4 » ، وليس في هذا الحديث أدنى دلالة على أن الذين سجدوا معه هم مشركون ، بل الذي يفيده قوله : « فرأيته قتل بعد كافرا » أنه كان مسلما ثم رأيته ارتدّ ، وهذا ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم يتحمّلوا الأذى ، فكفروا منهم : علي بن أمية بن خلف . هذا ولما رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة لم يتمكن
--> ( 1 ) اية 142 . ( 2 ) سورة النجم اية 3 . ( 3 ) فبعض الناس يقول إنما الذي رفع التراب وسجد عليه الوليد ، وبعضهم يقول : أبو أحيحة سعيد بن العاص ، وبعضهم يقول كلاهما فعل ذلك . والظاهر حسب قول المؤلف أبو أحيحة لأن الوليد لم يسلم بل عاش طول حياته كافرا ومات كافرا . ( 4 ) رواه البخاري .