الشيخ محمد الخضري بك

45

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ « 1 » . وممن أعتق أبو بكر بعد شرائه : أم عنيس « 2 » كانت أمة لبني زهرة وكان يعذبها الأسود بن عبد يغوث . وممن عذب في اللّه : عمار بن ياسر وأخوه وأبوه وأمه كانوا يعذبون بالنار فمرّ بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : صبرا ال ياسر فموعدكم الجنة اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت . أما أبو عمار وأمه فماتا تحت العذاب رحمهما اللّه ، وأما هو فثقل عليه العذاب فقال بلسانه كلمة الكفر ، فإن أبا جهل كان يجعل له دروعا من الحديد في اليوم الصائف ويلبسه إيّاها ، فقال المسلمون : كفر عمار ، فقال عليه الصلاة والسلام : عمار مليء إيمانا من فرقه « 3 » إلى قدمه ، وأنزل اللّه في شأنه استثناء في حكم المرتد ، فقال جل ذكره في سورة النحل مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ « 4 » . وممن أوذي في اللّه خبّاب بن الأرت سبي في الجاهلية فاشترته أم أنمار ، وكان حدادا وكان النبي يألفه قبل النبوة ، فلما شرّفه اللّه بها أسلم خباب ، فكانت مولاته تعذبه بالنار فتأتي بالحديدة المحمّاة فتجعلها على ظهره ليكفر ، فلا يزيده إلا إيمانا . وجاء خباب مرّة إلى رسول اللّه وهو متوسد بردة « 5 » في ظل الكعبة فقال : يا رسول اللّه ألا تدعو اللّه لنا ؟ فقعد عليه الصلاة والسلام محمّرا وجهه فقال : إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليظهرنّ اللّه تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت « 6 » لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه « 7 » . قال ذلك عليه الصلاة والسلام وهو في هذه

--> ( 1 ) اية 11 . ( 2 ) وقد وردت في ابن هشام أم عبيس . ( 3 ) هو وسط الرأس وهو الموضع الذي يفرق فيه الشعر . ( 4 ) اية 106 . ( 5 ) كساء أسود مربع فيه صغر تلبسه الأعراب جعلها وسادة له . ( 6 ) موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر ، وقيل موضع في أقصى أراضي هجر اه من ياقوت ( المؤلف ) . ( 7 ) رواه البخاري .