الشيخ محمد الخضري بك

38

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الإيذاء ورأى رسول اللّه من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدّة ، خصوصا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت ، وكان من أعظمهم أذى لرسول اللّه جماعة سمّوا لكثرة أذاهم بالمستهزئين . فأولهم وأشدهم : أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي قال يوما : يا معشر قريش إن محمّدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم الهتكم ، وتسفيه أحلامكم ، وسبّ ابائكم ، إني أعاهد اللّه لأجلسنّ له غدا بحجر لا أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ، فلمّا أصبح أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول اللّه ينتظره ، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته ، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل ، فلمّا سجد عليه الصلاة والسلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا « 1 » لونه من الفزع ، ورمى حجره من يده ، فقام إليه رجال من قريش فقالوا : ما لك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلمّا دنوت منه عرض لي فحل من الإبل ، واللّه ما رأيت مثله قطّ همّ بي أن يأكلني ! فلمّا ذكر ذلك لرسول اللّه قال : ذاك جبريل ولو دنا لأخذه « 2 » . وكان أبو جهل كثيرا ما ينهى الرسول عن صلاته في البيت فقال له مرّة بعد أن راه يصلي : ألم أنهك عن هذا ، فأغلظ له رسول اللّه القول وهدّده ، فقال : أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا « 3 » ، فأنزل اللّه تهديدا له في اخر سورة اقرأ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ « 4 » ومن أذيته للرسول ما حكاه عبد اللّه بن مسعود من رواية البخاري قال : كنا مع رسول اللّه في المسجد وهو يصلي ، فقال أبو جهل : ألا رجل يقوم إلى فرث « 5 » جزور بني فلان فيلقيه على محمّد وهو

--> ( 1 ) متغيرا . ( 2 ) رواه مسلم . ( 3 ) رواه أحمد والترمذي . والنسائي وابن جرير ، وهذا لفظه من طريق داود ابن أبي هند وقال الترمذي : حسن صحيح . ( 4 ) اية 19 . ( 5 ) الكرش .