الشيخ محمد الخضري بك

35

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

صاغرين ، وليس معه ما يرغب فيه حتى يترك هؤلاء العظماء اباءهم وذوي الثروة منهم ويتبعوا الرسول ليأكلوا من فضل ماله ، بل كان الكثير منهم واسع الثروة أكثر منه عليه الصلاة والسلام كأبي بكر وعثمان وخالد بن سعيد وغيرهم . والذين اتّبعوه من الموالي اختاروا الأذى والجوع والمشقّات مع اتّباع الرسول ، بحيث لو اتّبعوا سادتهم لكانوا في هذه الدنيا أهدأ بالا وأنعم عيشة ، اللهمّ ليس ذلك إلّا من هداية اللّه وسطوع أنوار الدين عليهم ، حتى أدركوا ما هم عليه من الضلالة وما عليه رسول اللّه من الهدى الجهر بالتبليغ مضت كل هذه المدة والنبي عليه الصلاة والسلام لا يظهر الدعوة في مجامع قريش العمومية ، ولم يكن المسلمون يتمكّنون من إظهار عبادتهم حذرا من تعصب قريش . فكان كلّما أراد العبادة ذهب إلى شعاب مكة يصلي مستخفيّا . ولمّا دخل في الدين ما يربو على الثلاثين ، وكان من اللازم اجتماع الرسول بهم ليرشدهم ويعلمهم ، اختار لذلك دار الأرقم بن أبي الأرقم وهو ممن ذكرنا اسلامهم - ومكث عليه الصلاة والسلام يدعو سرّا حتى نزل قوله تعالى في سورة الحجر فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ « 1 » فبدّل الدعوة سرا بالدعوة جهرا ممتثلا أمر ربه واثقا بوعده ونصره ، فصعد على الصفا « 2 » فجعل ينادي : يا بني فهر ، يا بني عدي ، لبطون قريش ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر الخبر ، فجاء أبو لهب بن عبد المطلب قريشا ، فقال عليه الصلاة والسلام : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل اللّه في شأنه تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ « 3 » والقصد من حمل الحطب المشي بالنميمة لأنها كانت تقول على رسول

--> ( 1 ) اية 94 . ( 2 ) مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بمكة . ( 3 ) رواه الإمام أحمد عن ابن عباس وهي سورة المسد .