الشيخ محمد الخضري بك

29

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

تدعوهم إلى اللّه . . الدعوة سرا فقام عليه الصلاة والسلام بالأمر ودعا لعبادة اللّه أقواما جفاة لا دين لهم ، إلّا أن يسجدوا لأصنام لا تنفع ولا تضرّ ، ولا حجة لهم إلّا أنهم متّبعون لما كان يعبد اباؤهم ، وليس عندهم من مكارم الأخلاق إلّا ما كان مرتبطا بالعزّة والأنفة وهو الذي كان كثيرا ما كان سببا في الغارات والحروب وإهراق الدماء فجاءهم رسول اللّه بما لا يعرفونه . فذوو العقول السليمة بادروا إلى التصديق وخلع الأوثان ، ومن أعمته الرياسة أدبر واستكبر كيلا تسلب منه عظمته . وكان أول من سطع عليه نور الإسلام خديجة بنت خويلد زوجه « 1 » وعلي ابن أبي طالب ابن عمه « 2 » وكان مقيما عنده يطعمه ويسقيه ويقوم بأمره ، لأن قريشا كانوا قد أصابوا مجاعة وكان أبو طالب مقلا كثير الأولاد ، فقال عليه الصلاة والسلام لعمه العباس بن عبد المطلب : إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، والناس فيما ترى من الشدّة ، فانطلق بنا لنخفّف من عياله تأخذ واحدا وأنا واحدا ، فانطلقا وعرضا عليه الأمر ، فأخذ العباس جعفر بن أبي طالب ، وأخذ عليه الصلاة والسلام عليّا ، فكان في كفالته كأحد أولاده إلى أن جاءت النبوّة وقد ناهز الاحتلام ، فكان تابعا للنبي في كل أعماله ، ولم يتدنس بدنس الجاهلية من عبادة الأوثان واتباع الهوى ، وأجاب أيضا زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي مولاه عليه الصلاة والسلام ، وكان يقال له زيد بن محمّد ، لأنه لما اشتراه أعتقه وتبنّاه ، وكان المتبنى معتبرا كابن حقيقي يرث ويورث ، وأجابت أيضا أم أيمن حاضنته التي زوجها لمولاه زيد . وأول من أجابه من غير أهل بيته أبو بكر بن أبي قحافة بن

--> ( 1 ) فهي أول الناس إيمانا على الاطلاق . ( 2 ) أسلم علي رضي اللّه عنه وهو ابن عشر سنين ويقص ابن إسحاق كيفية اسلامه فيقول : كان علي عند النبي ، فجاء بعد ذلك بيوم والنبي يصلي مع خديجة ، فقال علي : يا محمد ما هذا ؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه ، وبعث به رسله فأدعوك إلى اللّه واحده لا شريك له وإلى عبادته وأن تكفر باللات والعزى . فقال علي : هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب . فكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره . فقال له : يا علي إذا لم تسلم فاكتم . فمكث علي تلك الليلة ثم أن اللّه أوقع في قلبه الاسلام .