الشيخ محمد الخضري بك
272
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
ومن معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم : نبع الماء من بين أصابعه ، وتكثيره ببركته ، وقد روى هذا الجمّ الغفير من الصحابة منهم : أنس وجابر ، وابن مسعود ، قال أنس : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد حانت صلاة العصر ، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بوضوء ، فوضع في الإناء يده ، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه . قال : فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه ، فتوضّأ الناس حتى توضؤوا عن اخرهم ، فقيل : كم كنتم ؟ قال : زهاء ثلاثمائة « 1 » . وقال ابن مسعود : بينما نحن مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وليس معنا ماء ، فقال لنا : « اطلبوا من معه فضل ماء » ، فأتي بماء فصبّه في إناء ، ثم وضع كفّه فيه ، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه « 2 » . وقال جابر : عطش الناس يوم الحديبية ورسول اللّه بين يديه ركوة ، فتوضأ منها ، وأقبل الناس نحوه ، وقالوا ليس عندنا ماء إلّا ما في ركوتك ، فوضع النبي يده في الرّكوة ، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون : قيل : كم كنتم ؟ قال : لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة « 3 » ، وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة ، ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة « 4 » ، والجموع الكثيرة ، لا تتطرّق التهمة إلى المحدّث به ، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه ، لما جبلت عليه النفوس من ذلك ، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل ، فهؤلاء قد رووا هذا ، وأشاعوه ، ونسبوا حضور الجمّاء الغفير « 5 » له ، ولم ينكر عليهم من الناس ما حدّثوا به عنهم أنهم فعلوا ، وشاهدوا ، فصار كتصديق جميعهم له . ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته ، وانبعاثه بمسّه ودعوته ، كما ورد عن معاذ ابن جبل في قصة غزوة تبوك ، وأنهم وردوا العين وهي تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك ، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء ، ثم غسل عليه الصلاة والسلام فيه وجهه ويديه ، وأعاده فيها ، فجرت بماء كثير ، فاستقى الناس ، وفي رواية ابن إسحاق : فانخرق من الماء ما له حسّ كحسّ الصّواعق ، ثم قال : يوشك
--> ابن مطعم وحذيفة وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمرو وعبد اللّه بن مسعود . ( 1 ) رواه الشيخان ( زهاء ) : قدر . ( 2 ) رواه البخاري والدارمي واللفظ له الفضل : ما بقي من الشيء يسيل وترشح . ( 3 ) رواه البخاري ومسلم مختصرا ( الركوة ) إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء . ( 4 ) أي الأماكن التي احتشد فيها الناس . ( 5 ) أي العدد الكبير من الناس .