الشيخ محمد الخضري بك
270
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذا ، فينزل عليه من القران ما يتلو عليهم منه ذكرا : كقصص الأنبياء ، وبدء الخلق ، وما في الكتب السابقة ، مما صدّقه فيها العلماء بها ، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها ، ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه ، ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه بعد أن قرّعهم ، ووبّخهم بقوله : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 1 » . ومما يدل على أنّ أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحداهم فيه اللّه بقوله : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » ثم حتّم عدم إجابتهم بقوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ « 3 » فما سمع عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك ، ولو بلسانه ، مع أنهم كانوا أحرص الناس على تكذيبه . ومثل ذلك ما فعله أهل نجران حينما دعاهم للمباهلة « 4 » فأبوا ، وقد قدّمنا ذلك في فصل وفودهم . ومما يدل على أن هذا القران ليس من كلام البشر : الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه ، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوّة حاله ، وإنافة « 5 » خطره ؛ وهي على المكاذبين به أعظم ، حتى كانوا يستثقلون سماعه ، ويزيدهم نفورا . ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن القران صعب مستصعب على من كرهه ، وهو الحكم » « 6 » . وأما المؤمن فلا تزال روعته به ، وهيبته إياه مع تلاوته ، توليه انجذابا ، وتكسبه هشاشة « 7 » لميل قلبه إليه وتصديقه به . قال تعالى : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ « 8 » وقال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 9 » .
--> ( 1 ) سورة آل عمران اية 93 . ( 2 ) سورة البقرة اية 94 . ( 3 ) سورة البقرة اية 95 . ( 4 ) الملاعنة . ( 5 ) أي علو مرتبته . ( 6 ) رواه الديلمي وغيره عن الحكم بن عمير صعب : في نفسه بمعنى أنه لا يقدر أحد على محاكاته وضبط ألفاظه بسهولة مستصعب : أي يعسر فهمه بالرأي ولا يمكن تغييره وتحريفه ( الحكم ) أي الحاكم الفاصل بين الحق والباطل . ( 7 ) أي مسرة وخفة . ( 8 ) سورة الزمر اية 23 . ( 9 ) سورة الحشر اية 21 .