الشيخ محمد الخضري بك

268

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

من إيجاز ألفاظها ، وكثرة معانيها ، وديباجة عبارتها ، وحسن تأليف حروفها ، وتلاؤم كلمها ، وأنّ تحت كلّ لفظة منها جملا كثيرة ، وفصولا جمّة ، وعلوما زواخر ، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها ، وكثرة المقالات في المستنبطات عنها . ثم هو في سرد القصص الطوال ، وأخبار القرون السوالف ، التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ، ويذهب ماء البيان ، اية لمتأمّله ، من ربط الكلام بعضه ببعض ، والتئام سرده ، وتناصف وجوهه ، كقصة يوسف على طولها . ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة تردّدها ، حتى تكاد كلّ واحدة ينسي في البيان صاحبتها . وتناصف في الحسن وجه مقابلتها ، ولا نفور للنفوس من ترديدها ، ولا معاداة لمعادها . الوجه الثاني من إعجاز القران : صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ، ووقفت عليه مقاطع ايه ، وانتهت فواصل كلماته إليه ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه ، بل حارت فيه عقولهم ، وتدلّهت « 1 » دونه أحلامهم ، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر ، أو نظم ، أو سجع ، أو رجز ، أو شعر . والإعجاز بكل واحد من النوعين ، والإيجاز والبلاغة بذاتها ، أو الأسلوب الغريب بذاته ، كلّ واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق ، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما ، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها ، مباين لفصاحتها وكلامها . الوجه الثالث من الإعجاز : ما أنطوى عليه من الأخبار بالمغيّبات ، وما لم يكن ولم يقع ، فوجد كما ورد ، وعلى الوجه الذي أخبر به كقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ « 2 » وقوله عن الروم : وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ « 3 » وقوله لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ « 4 » وقوله : وَعَدَ اللَّهُ

--> ( 1 ) اندهشت . ( 2 ) سورة الفتح آية 27 . ( 3 ) آية 3 . ( 4 ) سورة التوبة : 33 .