الشيخ محمد الخضري بك

242

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

متوكئا على عليّ والفضل « 1 » ، وتقدّم العباس أمامهم والنّبيّ معصوب الرأس يخطّ برجليه ، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر ، وثار الناس إليه ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم ، هل خلّد نبي قبلي فيمن بعث اللّه فأخلّد فيكم ؟ ، ألا إني لاحق بربي وأنكم لاحقون بي فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا ، وأوصى المهاجرين فيما بينهم ، فإن اللّه تعالى يقول : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ « 2 » وإن الأمور تجري بإذن اللّه ، ولا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله ، فإن اللّه عزّ وجلّ لا يعجّل بعجلة أحد ، ومن غالب اللّه غلبه ، ومن خادع اللّه خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ « 3 » وأوصيكم بالأنصار خيرا ، فإنهم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم ، ألم يشاطروكم من الثمار ؟ ألم يوسّعوا لكم في الدّيار ؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة ؟ ألا فمن ولّي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم ، ألا ولا تستأثروا عليهم ، ألا وإني فرط « 4 » لكم ، وأنتم لا حقون بي ، ألا فإن موعدكم الحوض ، ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي » . وبينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول وأبو بكر يصلي بهم إذا برسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد كشف سجف « 5 » حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسّم يضحك ، فنكص أبو بكر رضي اللّه عنه على عقبه ليصل الصّف ، وظن أن رسول اللّه يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه ، فأشار إليهم بيده أن أتمّوا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر « 6 » .

--> ( 1 ) كان أكبر الإخوة وبه كان يكنى أبوه وأمه ، كان أسن ولد العباس ، وغزا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة وحنينا وثبت معه يومئذ ، وشهد معه حجة الوداع ، وكان يكنى أبا العباس مات في طاعون عمواس . ( 2 ) سورة العصر . ( 3 ) سورة محمد اية 22 . ( 4 ) بفتحتين الذي يتقدم إلى الورد لإصلاح الحوض والدلاء . ( 5 ) السترة . ( 6 ) رواه الشيخان .