الشيخ محمد الخضري بك
232
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
أصحابه يوما ، فقال لهم : سيطلع عليكم من هنا ركب هم خير أهل المشرق ، لم يكرهوا على الإسلام ، قد أنضوا « 1 » الركائب وأفنوا الزاد ، اللهم اغفر لعبد القيس « 2 » فلمّا أتوا ورأوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رموا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد ، وتبادروا إلى رسول اللّه يسلمون عليه ، وكان فيهم عبد اللّه بن عوف الأشج ، وكان أصغرهم سنّا فتخلّف عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع ، وأخرج ثوبين أبيضين فلبسهما ، ثم جاء يمشي هونا حتى سلّم على رسول اللّه ، وكان رجلا دميما ففطن لنظر الرسول إلى دمامته ، فقال يا رسول اللّه : إنه لا يستقى في مسوك جلود الرجال « 3 » ، وإنما الرجل بأصغريه قلبه ولسانه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ فيك خلتين يحبّهما اللّه ورسوله : الحلم والأناة « 4 » . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لهذا الوفد : مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى ، فقالوا : يا رسول اللّه إنّا نأتيك من شقّة بعيدة « 5 » وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر ، وإنّا لا نصل إليك إلّا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ، فقال : امركم بالإيمان باللّه . أتدرون ما الإيمان باللّه . شهادة ألاإله إلّا اللّه وأن محمّدا رسول اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تعطوا من المغنم الخمس ، وأنهاكم عن الدّباء « 6 » والحنتم « 7 » والنقير « 8 » والمزفت « 9 » والمراد بذلك ما ينبذ في هذه الأواني . فقال الأشج : يا رسول اللّه إن أرضنا ثقيلة وخمة « 10 » وإنّا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا ، فرخص لنا في مثل هذه وأشار إلى يده ، فأومأ عليه الصلاة والسلام بكفيه وقال : يا أشج إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه - وفرج بين يديه وبسطها - حتى إذا ثمل أحدكم
--> ( 1 ) أهزلوا . ( 2 ) رواه الطبراني ورواه ابن سعد والطبراني بلفظ ( اللهم أغفر لعبد القيس إذا أسلموا طائعين غير مكرهين إذ بعض قوم لم يسلموا إلا خزايا موتورين ) . ( 3 ) أي لا يشرب في جلودهم . ( 4 ) رواه مسلم والترمذي . ( 5 ) لأن ديارهم كانت بساحل الخليج الفارسي وهي ديار ربيعة ، وبينهم وبين الحجاز أرض نجد . ( المؤلف ) . ( 6 ) القرع . ( المؤلف ) . ( 7 ) هو جرار مدهونة بدهان أخضر . ( المؤلف ) . ( 8 ) هو أصل النخلة ينقر . ( المؤلف ) . ( 9 ) ما طلي بالزفت . ( المؤلف ) . والحديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه . ( 10 ) أي رديئه .