الشيخ محمد الخضري بك
215
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
احتفالا بقدومه ، ومعهم إبل الصدقة ، فلمّا نظرهم ظنّهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية ، فرجع مسرعا إلى المدينة ، وأخبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ القوم ارتدوا ومنعوا الزكاة ، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر ، فسار إليهم في عسكر خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح ، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلّا طاعة ، فرجع وأخبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأرسل عليه الصلاة والسلام لهم غير الوليد لأخذ الصدقات ، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ « 1 » . سرية « 2 » ثم بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن جمعا من الحبشة رآهم أهل جدّة في مراكبهم يريدون الإغارة عليها ، فأرسل لهم علقمة بن مجزّر « 3 » في ثلاثمائة . فذهب حتى وصل جدة ، ونزل في المراكب ليدركهم ، وكان الأحباش متحصّنين في جزيرة هناك ، فلمّا رأوا المسلمين يريدونهم هربوا ، ولم يلق المسلمون كيدا ، فرجع علقمة بمن معه . ولما كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا ، وأمّر عليهم عبد اللّه بن حذافة السهمي ، وكان فيه دعابة « 4 » ، فأوقد لهم في الطريق نارا ، وقال لهم : ألستم مأمورين بطاعتي ؟ قالوا : نعم ، قال : عزمت عليكم إلّا ما تواثبتم في هذه النار ، فقال بعضهم : ما أسلمنا إلّا فرارا من النار ، وهمّ بذلك بعضهم فمنعهم عبد اللّه . وقال : كنت مازحا ! فلمّا ذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » « 5 » .
--> ( 1 ) اية 6 . ( 2 ) هي سرية علقمة بن مجزّر إلى طائفة من الحبشة . ( 3 ) شهد اليرموك وحضر الجايبة ، وكان عاملا لعمر على حرب فلسطين ، ثم بعثه إلى الحبشة فهلك هو وجيشه . ( 4 ) هي ما يستحسن من المزاح . ( 5 ) رواه أحمد والحاكم عن عمران بن الحصين ورواه أبو داود والنسائي . وخبر هذه السرية رواه الشيخان .