الشيخ محمد الخضري بك
212
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
صليت الظهر فقوموا وقولوا : نحن نستشفع برسول اللّه إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول اللّه بعد أن تظهروا إسلامكم وتقولوا : نحن إخوانكم في الدّين » ، ففعلوا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « أما بعد فإنّ إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين ، وإني قد رأيت أن أردّ عليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء اللّه علينا فليفعل » « 1 » ، فقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول اللّه . وامتنع من ذلك جماعة من الأعراب كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس ، فأخذه الرسول منهم قرضا ، وأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بأن تحبس عائلة مالك بن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكّة عند عمتهم أمّ عبد اللّه بن أمية . فقال له الوفد : أولئك سادتنا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إنما أريد بهم الخير ، ثم سأل عن مالك فقالوا : هرب مع ثقيف ، فقال : أخبروه أنه إن جاءني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل ، فلمّا بلغ ذلك مالكا نزل من الحصن خفية حتى أتى رسول اللّه بالجعرانة فأسلم وأحرز ماله ، واستعمله عليه الصلاة والسلام على من أسلم من هوازن . عمرة الجعرانة ثم إنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اعتمر فأحرم من الجعرانة ودخل مكّة بليل ، فطاف واستلم الحجر ثم رجع من ليلته ، وكانت إقامته بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة ، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بالرّحيل ، فسار الجيش امنا مطمئنا حتى دخل المدينة لثلاث بقين من ذي القعدة . وغزوة حنين هي التي فرّق اللّه بها جموع الشرك ، وأدال دولته ، وأفقد سراة أهله ، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلا تمكّنه الحرب إلّا ساقته ، ولم تترك لها بعيرا ولا شاة إلّا جاءت به معها ، فأراد اللّه إعزاز الإسلام بخذلان أعدائه ، وأخذ أموالهم ، فانكسرت حدّة المشركين ، ولم يبق فيهم من يمانع أو يدافع ، ولذلك يمكننا أن نقول : إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب ، فلم يبق فيهم إلّا فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلاح ، ثم لا يلبثون أن يغمدوا السيوف حينما تظهر لهم قوة الحقّ الساطعة .
--> ( 1 ) رواه البخاري : ومعنى يطيب : أي يرجع ما أخذ من السبي عن طيب نفس منه من غير عوض .