الشيخ محمد الخضري بك

209

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

تقسيم السبي ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجعرانة حيث ترك السبي فأحصاه ، وخمّسه وأعطى منه شيئا كثيرا لأناس ضعف إسلامهم يتألّفهم بذلك ، وأعطى أناسا لم يسلموا ليحبّب إليهم الإسلام ، ومن الأوّلين : أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من الذهب ومائة من الإبل ، وكذلك ابناه معاوية ويزيد ، فقال له : بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب . ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه . ثم استزاده فأعطاه مثلها . وقال : « يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السّفلى « 1 » فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها ، ثم قال : والذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدا « 2 » بعدك شيئا حتى أفارق الدّنيا ، فكان الخلفاء بعد رسول اللّه يعرضون عليه العطاء . الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه . وأعطى عليه الصلاة والسلام عيينة بن حصن مائة من الإبل ، وكذلك الأقرع بن حابس « 3 » والعباس بن مرداس « 4 » وأعطى صفوان ابن أمية شعبا مملوا نعما وشاء ، كان راه يرمقه « 5 » فقال له : هل يعجبك هذا ؟ قال نعم ، قال : هو لك . فقال صفوان : ما طابت بمثل هذا نفس أحد ، وكان سبب إسلامه « 6 » . وكان عليه الصلاة والسلام يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم ، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسما للمؤلفة قلوبهم ، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى ، فإن كثيرين ممّن

--> ( 1 ) رواه الشيخان والترمذي والنسائي باختصار . ( 2 ) يعني لن اخذ من أحد شيئا . ( 3 ) وفد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وشهد فتح مكّة وحنينا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم ، وقد حسن إسلامه ، وشهد اليمامة ، ومع شرحبيل بن حسنة دومة الجندل ، وشهد مع خالد حرب أهل العراق وفتح الأنبار ، استعمله عبد اللّه بن عامر على جيش سيره إلى خراسان ، فأصيب بالجوزجان هو والجيش وذلك في خلافة عثمان . ( 4 ) السلمي شهد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الفتح وحنينا ويقال أنه ممن حرم الخمر في الجاهلية ، وكان من أشجع الناس في شعره ، وكان ينزل البادية بناحية البصرة . ( 5 ) ينظر إليه . ( 6 ) أعطى دون المائة رجالا من قريش منهم مخرمة بن نوفل بن نوفل الزهري ، وعمير بن وهب الجمحي ، وهشام بن عمر . وقال ابن إسحاق : لا أحفظ ما أعطاهم ، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين وكذلك السهمي .