الشيخ محمد الخضري بك
192
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
الإنسان مقبلا خير من أن يقتل مدبرا ، فتراجعوا واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد بن الوليد ، وبهمّته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع إذ ما تفعل ثلاثة آلاف بمائة وخمسين ألفا ، فإنه لما أخذ الراية قاتل يومه قتالا شديدا . وفي غده خالف ترتيب العسكر . فجعل الساقة مقدمة ، والمقدمة ساقة ، والميمنة ميسرة ، والميسرة ميمنة ، فظن الروم أن المدد جاء للمسلمين فرعبوا . ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة ، ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام ، ثم تحاجز الفريقان لأن الكفّار ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين ، وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحارى حيث لا يمكنهم التخلّص ، وبذلك انقطع القتال . « وقد نعى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم ، فقال : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب ، وكانت عينا رسول اللّه تذرفان « 1 » ، ثم قال : حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه حتى فتح اللّه عليهم » ، وجاءه رجل فقال : يا رسول اللّه إن نساء جعفر يبكين ، فأمره أن ينهاهنّ ، فذهب الرجل ثم أتى فقال : قد نهيتهن فلم يطعن ! فأمره فذهب ثانيا ثم جاء فقال : واللّه لقد غلبننا ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « أحث في أفواههنّ التراب » ، ولما أقبل الجيش إلى المدينة ، قابلهم المسلمون يقولون لهم : يا فرّار « 2 » ، فقال عليه الصلاة والسلام بل هم الكرّار ! ظن المقيمون بالمدينة أن انحياز خالد بالجيش هزيمة ، ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أراهم أن ذلك من مكايد الحرب وأثنى على خالد مهارته . سرية « 3 » وفي جمادى الآخرة بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعا من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء وادي القرى ليغيروا على المدينة ، فأرسل لهم عمرو بن العاص
--> ( 1 ) رواه البخاري تذرفان : تبكيان . ( 2 ) عند الحاكم أن خالد قاتلهم . فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وأصاب غنيمة ، وفي صحيح البخاري عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانية . كل هذا يدل على أن خالدا قاتل بالمسلمين الروم قتالا شديدا . ورواية الصحيح : حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه حتى فتح اللّه عليهم ، وهذا يؤكّد النصر ؛ هذا الحديث والذي قبله أخرجهما البخاري . ( 3 ) هي سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل .