الشيخ محمد الخضري بك
168
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا محمّد قد جمعت أوباش الناس « 1 » ثم جئت إلى أصلك وعشيرتك لتفضّها بهم ! إنها قريش قد خرجت تعاهد اللّه ألّا تدخلها عليهم عنوة أبدا . وأيم اللّه لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك ، فنال منه أبو بكر وقال : نحن ننكشف عنه ؟ ويحك ! وكان عروة يتكلّم وهو يمسّ لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان المغيرة بن شعبة « 2 » يقرع يده إذا أراد ذلك ، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه ، لا يتوضأ وضوا إلّا كادوا يقتتلون عليه يتمسّحون به ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدّون النظر إليه فقال : واللّه يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته ، فما رأيت ملكا في قومه مثل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم في أصحابه ، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا ، فانظروا رأيكم ، فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم ، فإني لكم ناصح ، مع أني أخاف ألّا تنصروا عليه « 3 » . فقالت قريش : لا نتكلم بهذا ، ولكن نردّه عامنا ويرجع إلى قابل . ثم إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اختار عثمان بن عفّان رسولا من عنده إلى قريش حتى يعلمهم مقصده ، فتوجّه وتوجّه معه عشرة أستأذنوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في زيارة أقاربهم ، وأمر عليه الصلاة والسلام عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكّة ، فيبشرهم بقرب الفتح وأنّ اللّه مظهر دينه ، فدخل عثمان مكّة في جوار أبان بن سعيد الأموي « 4 » فبلّغ ما
--> البيضاء في تقرير الصلح ، وفي رواية ابن إسحاق أنه أتبع أثر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أنصرف من الطائف فأسلم ، وأستأذنه أن يرجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام ، ونصح لهم فعصوه ، ثم رماه رجل من ثقيف بسهم فقتله . ( 1 ) أوباش الناس : أي أخلاطهم . ( 2 ) أبو عيسى أو أبو محمد ، أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان . قال ابن سعد : كان يقال له : مغيرة الرأي ، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق ، وقال الشعبي : كان من دهاة العرب . قال البغوي : كان أول من وضع ديوان البصرة ، وقال ابن حبان : كان أول من سلم عليه بالامرة ثم ولاه عمر الكوفة ، وأقره عثمان ثم عزله ، فلما قتل اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين ، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه ، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة ، فاستمر على أمرتها حتى مات . ( 3 ) قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكّة وحمله على بعير يقال له : الثعلب ، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا به جمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأرادوا قتله ، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكّة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال : يا رسول اللّه إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي وغلظتي عليها ، ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني عثمان بن عفان . ( 4 ) كان أبوه من أكابر قريش ، وله أولاد نجباء أسلم منهم قديما خالد وعمرو ، ثم كان عمرو وخالد ممن