الشيخ محمد الخضري بك
159
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
عليه الصلاة والسلام ، والذي بلّغه هو سلمة بن الأكوع « 1 » أحد رماة الأنصار ، وكان عدّاء فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى يدركهم المسلمون ، فخرج يشتدّ في أثرهم حتى لحقهم ، وجعل يرميهم بالنبل ، فإذا وجهت الخيل نحوه رجع هاربا ، فلا يلحق ، فإذا دخلت الخيل بعض المضايق علا الجبل ، فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيرا مما بأيديهم من الرماح والأبراد « 2 » ليخففوا عن أنفسهم حتى لا يلحقهم الجيش « 3 » ولم يزل سلمة على ذلك حتى تلاحق به الجيش ، فإن الرسول دعا أصحابه فأجابوه « 4 » وأول من انتهى إليه المقداد بن الأسود ، فقال له : اخرج في طلب القوم حتى ألحقك ، وأعطاه اللواء فخرج ، وتبعته الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو ، فحصلت بينهم مناوشات ، قتل فيها مسلم ومشركان ، واستنقذ المسلمون غالب اللّقاح ، وهرب أوائل القوم بالبقية ، وطلب سلمة بن الأكوع من رسول اللّه أن يرسله مع جماعة في أثر القوم ليأخذهم على غرة وهم نازلون على أحد مياههم فقال له عليه الصلاة والسلام : « ملكت فاسجح » « 5 » ثم رجع بعد خمس ليال . سرية « 6 » كان بنو أسد الذين مرّ ذكرهم كثيرا ما يؤذون من يمر بهم من المسلمين ، فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام عكّاشة بن محصن في أربعين راكبا ليغير عليهم ،
--> ( 1 ) المعروف بابن الأكوع ، وأول مشاهده الحديبية ، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوا ، وبايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند الشجرة على الموت ، ونزل المدينة ثم تحول إلى الربذة بعد قتل عثمان وتزوج بها وولد له حتى كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة فمات بها ، وكان ذلك سنة 74 ه . ( 2 ) الأبراد جمع برد وهو الثوب المخطط فإنه استلب واحده في ذلك اليوم من العدو وهو راجل قبل أن تلحق به الخيل ثلاثين برده وثلاثين درقة وقتل منهم بالنبل كثيرا ، فكلما هربوا أدركهم ، وكلما راموه أفلت منهم . ( 3 ) ورد في حديث رواه الشيخان « فحملت أرميهم بنبلي ، وكنت راميا ، وأقول : أنا ابن الأكوع ، واليوم يوم الرضع ، وارتجز حتى استنفدت اللقاح منهم ، واستلبت ثلاثين برده » واللقاح الإبل الحوامل ذات الألبان . وقد رواه الإمام أحمد مطولا وفيه : ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها » . ( 4 ) ثم استجاب له عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن ظهير ( يشك فيه ) وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة وأبو قتادة الحارث بن ربعي وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت . ( 5 ) الأسجح : الحسن المعتدل وهو السهل وملكت فاسجح أي قدرت فسهل وأحسن العفو وهو مثل سائر . ( 6 ) هي سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر .