الشيخ محمد الخضري بك
153
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه ، وزينب بنت عمته أسلمت قديما ورسول اللّه بمكّة ، فكيف لم يرها ، وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته ، إلّا حينما رفعت الريح الستر مصادفة ، ورسول اللّه هو الذي زوجها زيدا ، فلو كان له فيها رغبة حب أو عشق لتزوجها هو ولا مانع يمنعه من ذلك . ومن منا يتصوّر أن السيد الأكرم يقول لقومه : إنه مرسل من ربه ، ويتلو عليهم صباح مساء أمر اللّه له بقوله في سورة الحجر المكية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ « 1 » وفي سورة طه المكية أيضا وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 2 » ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متّبعيه ، وينظر إلى زوجه مصادفة ، ثم يشتهي زواجها ؟ إن هذا الأمر عظيم تشعر بذلك صدورنا . ولو حدث أمر مثل ذلك من أقلّ الناس لعيب عليه ، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقا ، وأبعدهم عن الدنايا ، وأشدّهم ذكاء وفراسة حتى مدحه اللّه بقول في سورة ن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 3 » لا شكّ أنّ هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق ، وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم ، والحمد للّه قد ناقضت النقل والعقل ، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولا ، وهو الذي يستفاد من القران الشريف قال تعالى في سورة الأحزاب وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا « 4 » . والذي أبداه اللّه هو زواجه بها ، ولم يبد غير ذلك وهذا القران أعظم شاهد . الحجاب وفيه نزلت اية الحجاب وهو خاص بنساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » . وكان عمر بن
--> ( 1 ) اية 88 . ( 2 ) اية 131 . ( 3 ) اية 4 . ( 4 ) اية 37 . ( 5 ) قال جمهور المفسرين على أن هذه الآية وإن كانت خطابا لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحكمها لجميع نساء الأمة ، وإنما خص نساء النبي لمنزلتهن وعظم فضلهن ، ومكانهن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .