الشيخ محمد الخضري بك

15

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

رحلته إلى الشام المرّة الثانية ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين سنة سافر إلى الشام المرّة الثانية ، وذلك أن خديجة بنت خويلد الأسدية كانت سيدة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم « 1 » إياه ، فلما سمعت عن السيد من الأمانة وصدق الحديث ما لم تعرفه في غيره حتى سماه قومه الأمين ، استأجرته ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره ، فسافر مع غلامها ميسرة فباعا وابتاعا وربحا ربحا عظيما ، وظهر للسيد الكريم في هذه السفرة من البركات ما حبّبه في قلب ميسرة غلام خديجة « 2 » . زواجه خديجة فلمّا قدما مكّة ورأت خديجة ربحها العظيم سرّت من الأمين عليه الصلاة والسلام ، وأرسلت إليه تخطبه لنفسها ، وكانت سنها نحو الأربعين وهي من أوسط « 3 » قريش حسبا وأوسعهم مالا . فقام الأمين عليه الصلاة والسلام مع أعمامه حتى دخل على عمّها عمرو بن أسد فخطبها منه بواسطة عمه أبي طالب فزوجها عمها . وقد خطب أبو طالب في هذا اليوم فقال : الحمد للّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل ، وضئضيء « 4 » معدّ وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه وجعله لنا بيتا محجوجا ، وحرما امنا ، وجعلنا حكّام الناس . ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد اللّه لا يوزن به رجل شرفا ونبلا وفضلا ، وإن كان في المال قلّ ، فإنّ المال ظل زائل ، وأمر حائل ، وعارية مستردّة ، وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطر جليل ، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة ، وقد بذل لها من الصّداق ( كذا ) « 5 » وعلى ذلك تمّ الأمر . وقد كانت متزوجة قبله بأبي هالة

--> ( 1 ) المضاربة : شركة تكون بين طرفين ، من أحدهما المال ، ومن الاخر العمل بالتجارة . ( 2 ) كانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد اللّه بها من كرامة ، فلما أخبرها به غلامها ميسرة بعثت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت له : يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك ، وشرفك في قومك وأمانتك وحسن خلقك ، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا ، كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه . ( 3 ) الوسط من أوصاف المدح والتفضيل فكان الوسط من أجل هذا مدحا في النسب . ( 4 ) أصل . « المؤلف » . ( 5 ) أصدقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثنتي عشرة أوقية ونصفا من الذهب والأوقية أربعون درهما شرعيّا .