الشيخ محمد الخضري بك
141
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
رحلها . فلمست صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار « 1 » قد انقطع ، فرجعت تلتمس عقدها ، فحبسها ابتغاؤه ، فأقبل الرهط « 2 » الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها « 3 » ظانين أنها فيه لأن النساء كن إذ ذاك خفافا لم يغشهنّ اللحم ، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج ، وكانت عائشة جارية حديثة السنّ ، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها ، وليس بالمنزل داع ولا مجيب ، فغلبتها عيناها فنامت ، وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطّل . فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان رآها قبل الحجاب ، فاسترجع ، فاستيقظت باسترجاعه « 4 » ، وسترت وجهها بجلبابها « 5 » فأناخ راحلته ، وأركبها من غير أن يتكلّما بكلمة ، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش ، وهو نازل للراحة ، فقامت قيامة أهل الافك ، قالوا ما قالوا في عائشة وصفوان . والذي تولّى كبر الإفك عبد اللّه بن أبيّ ، ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرا ، والناس يفيضون « 6 » في قول أهل الإفك . وهي لا تشعر بشيء ، وكانت تعرف في رسول اللّه رقّة إذا مرضت ، فلم يعطها نصيبا منها في هذا المرض ، بل كان يمرّ على باب الحجرة لا يزيد على قوله : كيف حالكم ؟ مما جعلها في ريب عظيم ، فلما نقهت « 7 » خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة « 8 » أحد أهل الإفك للتبرز خارج البيوت ، فعثرت أم مسطح في مرطها « 9 » فقالت : تعس مسطح ! فقالت عائشة : بئس ما قلت ! ! ! أتسبيّن رجلا شهد بدرا ؟ فقالت : يا هنتاه « 10 » أو لم تسمعي ما قالوا ؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر ، فازدادت مرضا على مرضها ، ولما جاءها عليه الصلاة والسلام كعادته ، استأذنته أن تمرّض في بيت أبيها ، فأذن لها ، فسألت أمها عمّا يقول الناس فقالت با بنيّة هوّني عليك ،
--> ( 1 ) الجزع : الخرز . وظفار : مدينة باليمن . ( 2 ) قوم الرجل وقبيلته ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة . ( 3 ) مركب النساء . ( 4 ) أي بقوله : إنا للّه وإنا إليه راجعون . ( 5 ) الجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار ( 6 ) أي يخوضون . ( 7 ) أي أفاقت من المرض . ( 8 ) رائطة بنت صخر وهي مشهورة بكذبها ، أسلمت فحسن إسلامها ، وكانت من أشد الناس على مسطح حين تكلم مع أهل الإفك . ( 9 ) وأحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز كان يؤتزر بها . ( 10 ) أي هذه .