الشيخ محمد الخضري بك
128
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
الأسد « 1 » ، وقد كان ما ظنّه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حقّا . فإن المشركين تلاوموا على ترك المسلمين من غير شنّ الغارة على المدينة حتى يتمّ لهم النصر ، فأصرّوا على الرجوع ، ولكن لمّا بلغهم خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس ، وألقى اللّه الرعب في قلوبهم ، فتمادوا في سيرهم إلى مكّة ، وظفر عليه الصلاة والسلام وهم في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر الذي منّ عليه ببدر بعد أن تعهّد ألا يكون على المسلمين فأمر بقتله ، فقال : يا محمد أقلني ، وامنن عليّ ، ودعني لبناتي ، وأعطيك عهدا ألّا أعود لمثل ما فعلت ، فقال عليه الصلاة والسلام : « لا واللّه لا تمسح عارضيك بمكّة تقول : خدعت محمّدا مرتين ، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين « 2 » » ، اضرب عنقه يا زيد « 3 » ، فضرب عنقه ، وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع الشريف ، فإن الرجل الذي لا يحترز مما أصيب منه ليس بعاقل ، فلا بدّ من الحزم لإقامة دعائم الملك . حوادث وفي هذه السنة زوّج عليه الصلاة والسلام بنته أم كلثوم لعثمان بن عفّان بعد أن ماتت رقية عنده ، ولذلك كان يسمّى ذا النورين وفيها تزوّج عليه الصلاة والسلام حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وأمها أخت عثمان بن مظعون ، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي « 4 » رضي اللّه عنه ، فتوفّي عنها بجراحة أصابته ببدر ، وفيها تزوج عليه الصلاة والسلام زينب بنت خزيمة « 5 » الهلالية من بني هلال ابن عامر ، كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لرأفتها وإحسانها إليهم ، وكانت قبله تحت عبد اللّه بن جحش ، فقتل عنها بأحد وهي أخت ميمونة بنت الحارث
--> ( 1 ) موضع على ثمانية أميال من المدينة بطريق مكة ( المؤلف ) . ( 2 ) رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة والعسكري كلهم عن أبي هريرة مرفوعا وليس عند الآخرين لفظ واحد . ( 3 ) روى ابن هشام : أنه الزبير وقال ابن هشام : وبلغني عن ابن المسيب أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( الحديث ) اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه . ( 4 ) كان من السابقين ، وهاجر إلى الحبشة ثم رجع فهاجر إلى المدينة ، وشهد بدرا ، وأصابته جراحة يوم بدر فمات منها . ( 5 ) أم المؤمنين ، وكان دخوله صلّى اللّه عليه وسلّم بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر ، ثم لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة وماتت .