الشيخ محمد الخضري بك
111
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
بحمائل « 1 » سيفه وأدخله ، فلمّا راه عليه الصلاة والسلام قال : أطلقه يا عمر ، أدن يا عمير فدنا وقال : أنعموا صباحا ، فقال عليه الصلاة والسلام : قد أبدلنا اللّه تحية خيرا من تحيتك وهي : السلام ، ثم قال ما جاء بك يا عمير ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه ، قال : فما بال السيف ؟ قال قبّحها اللّه من سيوف وهل أغنت عنا شيئا ؟ قال عليه الصلاة والسلام : أصدقني ما الذي جئت له ؟ قال : ما جئت إلّا لذلك . قال عليه الصلاة والسلام : كلا بل قعدت أنت وصفوان في الحجر وقلتما كيت وكيت فأسلم عمير وقال : كنّا نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلّا أنا وصفوان ! ! فقال عليه الصلاة والسلام : فقّهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القران ، وأطلقوا أسيره ، فعاد عمير إلى مكة وأظهر أسلامه . ومن الأسرى : أبو عزيز بن عمير « 2 » أخو مصعب بن عمير مرّ به أخوه فقال للذي أسره : شدّ يدك به ، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك . فقال له : يا أخي هذه وصايتك بي ! ثم بعثت أمه بفدائه أربعة آلاف درهم . ومن الأسرى : العباس بن عبد المطلب « 3 » عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان قد خرج لهذه الحرب مكرها ، ولما وقع في الأسر طلب منه فداء نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب ، فقال : علام ندفع وقد استكرهنا على الخروج ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لقد كنت في الظاهر علينا ، فأخذت منه فدية نفسه وابن أخيه ، ثم قال للرسول : لقد تركتني فقير قريش ما بقيت ، قال كيف وقد تركت لأم الفضل أموالا ؟ وقلت لها إن متّ فقد تركتك غنية ! فقال العباس : واللّه ما اطّلع على ذلك أحد . وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعف عمّه مع علمه بأنه إنما خرج مكرها ، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل ، ولا غرابة فذلك أدب قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
--> ( 1 ) جمع حمل وهي علاقته . ( 2 ) اسم أبي عزيز هذا زرارة له صحبة وسماع من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل قتل مع أخيه في أحد شهيدا . ( 3 ) عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكنى بأبي الفضل ، ولد قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين ، وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة ، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم ، ثم هاجر قبل الفتح بقليل وشهد الفتح ، وثبت يوم حنين ، وكان العباس أعظم الناس عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والصحابة يعترفون للعباس بفضله ويشاورونه ويأخذون رأيه ، ومات بالمدينة سنة 32 .