العلامة المجلسي

167

بحار الأنوار

حدثنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال : جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ، يعني جبرئيل ( عليه السلام ) ، فقلت : دثروني دثروني فصبوا علي ماء ، فأنزل الله عز وجل : " يا أيها المدثر " وفي رواية : فخشيت ( 1 ) منه فرقا حتى هويت إلى الأرض ، فجئت إلى أهلي فقلت : زملوني ، فنزل : " يا أيها المدثر * قم فأنذر " أي ليس بك ما تخافه من الشيطان ، إنما أنت نبي فأنذر الناس وادعهم إلى التوحيد . وفي هذا ما فيه لان الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة ، والآيات البينة الدالة على أن ما يوحي إليه إنما هو من الله تعالى ، فلا يحتاج إلى شئ سواها ولا يفزع ولا يفزع ولا يفرق ، وقيل : معناه يا أيها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالانذار ، وخوف قومك بالنار إن لم يؤمنوا ، وقيل : إنه كان قد تدثر بشملة صغيرة لينام فقال : يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك ، وقيل : إن المراد به الجد في الامر والقيام بما ارسل به ، فكأنه قيل له : لا تنم عما أمرتك به ، وهذا كما تقول العرب : فلان لا ينام في أمره ، إذا وصف بالجد وصدق العزيمة ( 2 ) . وقال في قوله تعالى : " ذرني ومن خلقت وحيدا " : نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي ، وذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد : إنكم ذووا أحساب وذووا أحلام ، وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف ، فأجمعوا أمركم على شئ واحد ، ما تقولون في هذا الرجل ؟ قالوا : نقول : إنه شاعر ، فعبس عندها وقال : قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر ، فقالوا : نقول : إنه كاهن ، قال : إذا يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة ، قالوا : نقول : إنه مجنون ، قال : إذا يأتونه فلا يجدونه مجنونا ، قالوا : نقول : إنه ساحر ، قال : وما الساحر ؟ فقالوا : بشر يحببون بين المتباغضين ، ويبغضون بين المتحابين ، قال : فهو ساحر ، فخرجوا فكان

--> ( 1 ) في المصدر : فجثيت منه فرقا . ( 2 ) مجمع البيان 10 : 384 .