سيد جميلى
47
نساء النبي ( ص )
بيد أن عام الحزن الذي فقد فيه الحبيبة وعمه أبا طالب كان قد كبده أثقالا فادحة غير محتملة ، لا يقدر عليها بشر غيره ، فكان في عائشة السلوى والتسرية وفي كنفها منادح ومسارح لنفسه المكدودة المنهوكة من تباريح الشوق ومواجيد الفراق . ونعى الناعون ، وأسرف الغالون ، وأغرق الجاهلون في التثريب واللوم والإنحاء على رسول الله صلى الله عليه أن يتزوج من عائشة رضي الله عنها وهي في التاسعة من عمرها وهي في الصبا الباكر ، في عمر الزهور وفي مقام بنت من بناته صلى الله عليه وسلم . ثم إنها في هذه السن الصغيرة لم تكن على دربة أو ممارسة أو بصيرة أو استئناس بمقتضيات الزواج ، وما يتطلبه من أمور اجتماعية وشخصية ونفسية ، فأنّى لصبية صغيرة أن تعرف أو تدرك شيئا من هذا ؟ ! ! لكن هؤلاء نسوا أو جهلوا أن البيئة والجزيرة العربية لم تنكر هذا أبدا بحال ، ففيها أمثلة كثيرة مضروبة على هذا ، الأمر الذي يدل على سبيل القطع بأن هذا التزويج كان مقبولا وسائغا ، ولم يكن مستهجنا ولا مستغربا أن يقع . والدليل على ذلك ان سيدنا عمر بن الخطاب « 1 » رضي الله عنه كان تزوج من بنت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو في عمر أبيها ولم ينكر أحد عليه ذلك . ثم إن عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تزوج من هالة ابنة عم آمنة بنت وهب وهو شيخ كبير طاعن في السن كان ناهز العمرين ، وقد
--> ( 1 ) راجع ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تاريخ الطبري ( 1 / 187 - 217 ) ثم في ( 2 / 2 - 82 ) واليعقوبي ( 2 / 117 ) وابن الأثير ( 3 / 19 ) والإصابة ( ت 7538 ) وصفة الصفوة ( 1 / 101 ) وحلية الأولياء لأبي نعيم ( 1 / 38 ) .