محمد الريشهري
69
نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت
في الكتابَين ، وهي مع ذلك من مختصّات النّبيّ صلى اللّه عليه وآله وملّته البيضاء ؛ فإنّ الأمم الصّالحة وإن كانوا يقومون بوظيفة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كما ذكره تعالى من أهل الكتاب في قوله : " لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى أن قال وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ " « 1 » ، وكذلك تحليل الطّيّبات وتحريم الخبائث في الجملة من جملة الفطريّات الّتي أجمع عليها الأديان الإلهيّة ، وقد قال تعالى : " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ " « 2 » ، وكذلك وضع الإصر والأغلال وإن كان ممّا يوجد في الجملة في شريعة عيسى عليهالسلام كما يدلّ عليه قوله فيما حكى اللّه عنه في القرآن الكريم : " وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ " « 3 » ، ويشعر به قوله خطابا لبني إسرائيل : " قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ " « 4 » إلّا أنّه لا يرتاب ذو ريبٍ في أنّ الدِّين الّذي جاء به محمّد صلى اللّه عليه وآله بكتابٍ من عند اللّه مصدّق لما بين يديه من الكتب السّماويّة وهو دين الإسلام هو الدّين الوحيد الّذي نفخ في جثمان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كلّ ما يسعه من روح الحياة ، وبلغ به من حدّ الدّعوة الخالية إلى درجة الجهاد في سبيل اللّه بالأموال والنفوس ، وهو الدّين الوحيد الّذي أحصى جميع ما يتعلّق به حياة الإنسان من الشّؤون والأعمال ثمّ قسّمها إلى طيّبات فأحلّها ، وإلى خبائث فحرّمها ، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرّعة أيّ شريعة دينيّة وقانون اجتماعيّ ، وهو الدّين الّذي نسخ جميع الأحكام الشّاقّة الموضوعة على أهل الكتاب واليهود خاصّة ، وما تكلّفها علماؤهم وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من الأحكام المبتدعة " . « 5 »
--> ( 1 ) آل عمران : 113 و 114 . ( 2 ) الأعراف : 32 . ( 3 ) آل عمران : 50 . ( 4 ) الزخرف : 63 . ( 5 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ص 280 .