محمد الريشهري

31

نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت

فقلت : قد اخترت ما قاله المفسّر والقاضي الفلاني ، فقال القسيس : لم تقصّر في ذلك ، ولكن الحقّ والواقع يخالف جميع هذه الأقوال ؛ لأنّه لا يعرف على نحو الحقيقة معنى هذا الاسم الشريف وتفسيره في هذا الزمان سوى الراسخون في العلم وما أقلّهم ! فرميت بنفسي على قدمي الشيخ وقلت : أيّها الأبّ الروحي ، أنت تعلم أكثر من أيّ شخص آخر أنّني ومنذ بداية العمر وحتّى الآن منقطع كلّ الانقطاع في دراسة العلوم ، وإنّي متعصّب كلّ التعصّب في النصرانية ومتديّن بها كلّ التديّن ، ولا أعطل الدراسة والمطالعة إلّا في أوقات الصلاة والوعظ ، فما ضرّك لو أحسنت إليّ وبيّنت لي معنى هذا الاسم الشريف ؟ ! فأجهش الشيخ بالبكاء ، ثمّ قال : بنيّ الروحي ، إنّك واللّه أعزّ الناس عندي وأنا لا أبخل عليك بشيء ، فعلى الرغم من أنّ هناك فائدة كبيرة في معرفة معنى هذا الاسم الكريم ، ولكن أتباع المسيح سوف يقتلونني ويقتلونك بمجرّد ذيوع معنى هذا الاسم ، إلّا إذا عاهدتني ألّا تظهر معنى هذا الاسم في حال حياتي وموتي ، أي ألّا تذكر اسمي ؛ لأنّ ذلك سيؤدّي إلى توجيه ضربة قاصمة لي وأنا حي ، ولأقاربي وأتباعي بعد مماتي ، وليس من المستبعد أن ينبشوا قبري ويحرقوا جثماني إن هم علموا بظهور هذا المعنى منّي . فأقسمتُ باللّه العليّ العظيم ، القاهر ، الغالب ، المهلك ، المدرك ، المنتقم ، وبحقّ الإنجيل وعيسى ومريم ، وبحقّ جميع الأنبياء والصلحاء ، وبحقّ جميع الكُتب المنزّلة من اللّه ، وبحقّ القدّيسين والقدّيسات ، ألّا أذيع سرّك أبدا ، لا في حياتك ولا بعد مماتك . فبعد الاطمئنان قال : بنيّ الروحي ، إنّ هذا الاسم هو من الأسماء المباركة لنبيّ المسلمين ، فهو يعني أحمد ومحمّدا . « 1 »

--> ( 1 ) كانت هناك بشارات كثيرة بظهور نبيّ الإسلام في كتب العهدين ، حيث يصرّح القرآن الكريم أنّ التوراة والإنجيل أخبرا بمجيئه على لسان موسى وعيسى عليهماالسلام ، بل وجاء التصريح باسمه " وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . . . " ( الصف : 6 ) " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ " ( الأعراف : 157 ) . وإنّ إيمان عدد كبير من اليهود والنصارى في عهد نبيّ الإسلام نفسه وبعد وفاته لهو دليل واضح على أنّ هذه البشارات كانت كثيرة في كتب العهدين ؛ وإلّا كان يكفي أن يقول اليهود والنصارى لنبيّ الإسلام : أنت تدّعي أنّ موسى وعيسى بشّرا بمجيئك في حين أنّ هذا الموضوع لا يطالعنا في التوراة والإنجيل ، ولكنّهم اعترفوا في