محمد الريشهري

127

نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت

ويَحذَرُ النَّاسَ ويَحتَرِسُ مِنهُم مِن غَيرِ أن يَطوِيَ عَن أحَدٍ بُشرَهُ ولا خُلُقَهُ ، ويَتَفَقَّدُ أصحابَهُ ، ويَسألُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ ، ويُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَوِّيهِ ، ويُقَبِّحُ القَبيحَ ويوهِنُهُ . مُعتَدِلَ الأَمرِ غَيرَ مُختَلِفٍ ، لا يَغفُلُ مَخافَةَ أن يَغفُلوا أو يَمَلُّوا ، ولا يُقَصِّرُ عَنِ الحَقِّ ، ولا يَجوزُهُ الَّذينَ يَلونَهُ مِنَ النَّاسِ ، خِيارُهُم أفضَلُهُم عِندَهُ ، وأعَمُّهُم نَصيحَةً لِلمُسلِمينَ وأعظَمُهُم عِندَهُ مَنزِلَةً أحسَنُهُم مُواساةً ومُؤازَرَةً . قالَ : فَسَأَلتُهُ عَن مَجلِسِهِ ، فَقالَ : كانَ صلى اللّه عليه وآله لا يَجلِسُ ولا يَقومُ إلَّا عَلى ذِكرٍ ، ولا يوطِنُ الأَماكِنَ ويَنهى عَن إيطانِها ، وإذَا انتَهى إلى قَومٍ جَلَسَ حَيثُ يَنتَهي بِهِ المَجلِسُ ويأمُرُ بِذلِكَ ، ويُعطي كُلَّ جُلَسائِهِ نَصيبَهُ حَتَّى لا يَحسَبُ أحَدٌ مِن جُلَسائِهِ أنَّ أحَدا أكرَمُ عَلَيهِ مِنهُ ، مَن جالَسَهُ صابَرَهُ حَتَّى يَكونَ هُوَ المُنصَرِفَ عَنهُ ، مَن سَألَهُ حاجَةً لَم يَرجِع إلَّا بِها أو بِمَيسورٍ مِنَ القَولِ ، قَد وَسِعَ النَّاسَ مِنهُ خُلُقُهُ ، وصارَ لَهُم أبا رَحيما وصاروا عِندَهُ فِي الحَقِّ سَواءً ، مَجلِسُهُ مَجلِسُ حِلمٍ وحَياءٍ وصِدقٍ وأمانَةٍ ، لا تُرفَعُ فيهِ الأَصواتُ ، ولا تُؤبَنُ فيهِ الحُرَمُ ، ولا تُثَنَّى « 1 » فَلَتاتُهُ ، مُتَعادِلينَ مُتَواصِلينَ فيهِ بِالتَّقوى مُتَواضِعينَ ، يُوَقِّرونَ الكَبيرَ ويَرحَمونَ الصَّغيرَ ، ويُؤثِرونَ ذَا الحاجَةِ ، ويَحفَظونَ الغَريبَ . فَقُلتُ : كَيفَ كانَ سيرَتُهُ في جُلَسائِهِ ؟ فَقالَ : كانَ دائِمَ البِشرِ ، سَهلَ الخُلُقِ ، لَيِّنَ الجانِبِ لَيسَ بِفَظٍّ ولا غَليظٍ ولا صَخَّابٍ ولا فَحَّاشٍ ولا عَيَّابٍ ولا مَزّاحٍ ولا مَدَّاحٍ ، يَتَغافَلُ عَمَّا لا يَشتَهي ، فَلا يُؤيِسُ مِنهُ ، ولا يُخَيِّبُ فيهِ مُؤَمِّليهِ . قَد تَرَكَ نَفسَهُ مِن ثَلاثٍ : المِراءِ وَالإِكثار وما لا يَعنيهِ ، وتَرَكَ النَّاسَ مِن ثَلاثٍ : كانَ لا يَذُمُّ أحَدا ولا يُعَيِّرُهُ ، ولا يَطلُبُ عَثَراتِهِ ولا عَورَتَهُ ، ولا يَتَكَلَّمُ إلَّا فيما رَجا ثَوابَهُ ، إذا تَكَلَّمَ أطرَقَ جُلَساؤهُ كَأنَّما عَلى رُؤوسِهِمُ الطَّيرُ ، وإذا سَكَتَ تَكَلَّموا ولا يَتَنازَعونَ عِندَهُ

--> ( 1 ) في معاني الأخبار : " لا تُنثى " ولعلّه هو الأصحّ .