العلامة الأميني

645

النبي الأعظم من كتاب الغدير

ولمّا سمع قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ اطمأنّ قلبه » . إلى أن قال بعد ذكر الحديث : « وهذه آخر فريضة أوجب اللّه على عباده ، فلمّا بلّغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نزل قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . » . يعطينا هذا اللفظ خبرا بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله صدع في كلمته هذه بفريضة لم يسبقها التبليغ ، ولا يجوز أن يكون ذلك معنى المحبّة والنصرة لسبق التعريف بهما منذ دهر كتابا وسنّة ؛ فلم يبق إلّا أن يكون معنى الإمامة الّذي أخّر أمره حتّى تكتسح عنه العراقيل ، وتمرّن النفوس بالخضوع لكلّ وحي يوحى ، فلا تتمرّد عن مثلها من عظيمة تجفل عنها النفوس الجامحة ، وهي الملائمة لمعنى الأولى . القرينة الرابعة عشرة : ورد « 1 » في حديث زيد بن أرقم بطرقه الكثيرة : « إنّ ختنا له سأله عن حديث غدير خمّ ، فقال له : أنتم أهل العراق فيكم ما فيكم . فقلت له : ليس عليك منّي بأس . فقال : نعم ، كنّا بالجحفة فخرج رسول اللّه . . . » . وعن عبد اللّه بن العلاء « 2 » أنّه قال للزهري لمّا حدّثه بحديث الغدير : « لا تحدّث بهذا بالشام وأنت تسمع ملء أذنيك سبّ عليّ ! » . فقال : واللّه إنّ عندي من فضائل عليّ ما لو تحدّثت [ بها ] لقتلت ! ! فإنّ الظاهر من هذه كلّها أنّه كان بين الناس للحديث معنى لا يأمن معه راويه من أن يصيبه سوء أولدته العداوة للوصيّ - صلوات اللّه عليه - في العراق وفي الشام ؛ ولذلك إنّ زيدا اتّقى ختنه العراقيّ ، وهو يعلم ما في العراقيّين من النفاق والشقاق يوم ذاك ، فلم يبد بسرّه حتّى أمن من بوادره ، فحدّثه بالحديث . وليس من الجائز أن يكون المعنى حينئذ هو ذلك المبتذل لكلّ مسلم ، وإنّما هو معنى ينوء بعبئه الإمام عليه السّلام بمفرده ، فيفضل بذلك على من سواه ، وهو معنى الخلافة المتّحدة مع الأولويّة المرادة .

--> ( 1 ) - مسند أحمد 4 : 368 [ 5 / 494 ، ح 18793 ] . ( 2 ) - أسد الغابة لابن الأثير 1 : 308 [ 1 / 364 ، رقم 812 ] .