العلامة الأميني
281
النبي الأعظم من كتاب الغدير
إن وعى واع إلى هتافه ، فتألّبوا عليه وأغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوّعة حتّى وقع ما وقع ، والخليفة أسير هوى قومه ، ومسيّر بشهواتهم ، مدفوع بحبّ بني أبيه وإن كانوا من الشجرة الملعونة في القرآن . وما كان أبو ذر يمنعهم عن جلب الثروة من حقّها ، ولا يبغي سلب السلطة عمّن ملك شيئا ملكا مشروعا ، لكنّه كان ينقم أهل الأثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين ، وخضمهم مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع ، وما كان يتحرّى إلّا ما أراد اللّه سبحانه بقوله عزّ من قائل : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » ، وما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الجهات الماليّة . أخرج أحمد في مسنده « 2 » من طريق الأحنف بن قيس قال : « كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفرّ الناس منه حين يرونه . قال : قلت : من أنت ؟ قال : أنا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . قال : قلت : ما يفرّ الناس منك ؟ قال : إنّي أنهاهم عن الكنوز بالّذي كان ينهاهم عنه رسول اللّه » . وفي فتح الباري « 3 » نقلا عن غيره : « الصحيح أنّ إنكار أبي ذر كان على السلاطين الّذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه » . وتعقّبه النووي بالإبطال لأنّ السلاطين حينئذ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا . وفي هذا التعقيب تدجيل ظاهر ؛ فإنّ يوم هتاف أبي ذر بمناويه لم يكن العهد لأبي بكر وعمر ، وإنّما كان ذلك يوم عثمان المخالف لهما في السيرة مخالفة واضحة ، والمبائن للسيرة النبويّة في كلّ ما ذكرناه ؛ ولذلك كلّه كان سلام اللّه عليه ساكتا عن هتافه في
--> ( 1 ) - التوبة : 34 . ( 2 ) - مسند أحمد 5 : 164 و 176 [ 6 / 206 ، ح 20940 ؛ ص 224 ، ح 21024 ] . ( 3 ) - فتح الباري 3 : 213 [ 3 / 275 ] .