العلامة الأميني

119

النبي الأعظم من كتاب الغدير

وأخرى لم تأت ظروفها ، ومواليد قدّر تأخير تكوينها ، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمّة سدى والحالة هذه ، والناس كلّهم في شمول ذلك اللطف والواجب عليه سبحانه شرع سواء ؛ فيجب عليه جلّت عظمته أن يقيّض لهم من يكمل الشريعة ببيانه ، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه ، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه ، ويدرأ عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه ، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه . ومهما كان للمولى جلّت مننه عناية بعبيده ، وقد ألزم نفسه بإسداء البرّ إليهم ، وأن لا يوليهم إلّا الخير والسعادة ، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبء الثقيل ويمثّل مخلّفه الرسول في الوظائف كلّها ، فينصّ عليه بلسان ذلك النبيّ المبعوث ، ولا يجوز أن يخلي سربهم ، ويتركهم سدى . ألا ترى أنّ عبد اللّه بن عمر قال لأبيه : « إنّ الناس يتحدّثون أنّك غير مستخلف ، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاء وترك رعيّته رأيت أن قد فرّط - لرأيت أن قد ضيّع - ورعيّة الناس أشدّ من رعيّة الإبل والغنم ، ماذا تقول للّه عزّ وجلّ إذ لقيته ولم تستخلف على عباده » « 1 » ؟ وقالت عائشة لابن عمر : « يا بنيّ أبلغ سلامي وقل له : لا تدع أمّه محمّد بلا راع ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا ؛ فإنّي أخشى عليهم الفتنة . . . » « 2 » . وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسّك بهذا الحكم العقليّ المسلّم في استخلاف يزيد ويقول : « إنّي أرهب أن أدع أمّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها » « 3 » . ليت شعري هذا الدليل العقليّ المتسالم عليه لم أهملته الأمّة في استخلاف النبيّ الأعظم واتّهمته بالصفح عنه ؟ !

--> ( 1 ) - سنن البيهقي 8 : 149 عن صحيح مسلم [ 4 / 102 ، ح 12 ، كتاب الإمارة ] . ( 2 ) - الإمامة والسياسة 1 : 22 [ 1 / 28 ] . ( 3 ) - تاريخ الطبري 6 : 170 [ 5 / 304 ، حوادث سنة 56 ه ] ؛ الإمامة والسياسة 1 : 151 [ 1 / 159 ] .