صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
5062
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم وقولوا عبد اللّه ورسوله . ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلا منكم يقول واللّه لو قد مات عمر بايعت فلانا ، فلا يغترّنّ امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت ، ألا وإنّها قد كانت كذلك ، ولكنّ اللّه وقى شرّها ، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه « 1 » مثل أبي بكر ، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الّذي بايعه تغرّة أن يقتلا « 2 » ، وإنّه قد كان من خبرنا حين توفّى اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنّا عليّ والزّبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم ، فلمّا دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا ؛ نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم ، اقضوا أمركم ، فقلت : واللّه لنأتينّهم . فانطلقنا حتّى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة ، فقلت : ماله ؟ قالوا : يوعك . فلمّا جلسنا قليلا تشهّد خطيبهم فأثنى على اللّه بما هو أهله ، ثمّ قال : أمّا بعد فنحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام ، وأنتم - معشر المهاجرين - رهط ، وقد دفّت دافّة من قومكم « 3 » ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا « 4 » من أصلنا وأن يحضنونا « 5 » من الأمر . فلمّا سكت أردت أن أتكلّم - وكنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر - وكنت أداري منه بعض الحدّ ، فلمّا أردت أن أتكلّم قال أبو بكر : على رسلك . فكرهت أن أغضبه ، فتكلّم أبو بكر ، فكان هو أحلم منّي وأوقر ، واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلّا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتّى سكت . فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا . وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين فبايعوا أيّهما شئتم - فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجرّاح وهو جالس بيننا - فلم أكره ممّا قال غيرها ، كان واللّه أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر ، اللّهمّ إلّا أن تسوّل إليّ نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن ، فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكّك « 6 » ، وعذيقها المرجّب .
--> ( 1 ) تقطع الأعناق إليه : أي أن السابق منكم الذي لا يلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر . ( 2 ) تغرّة أن يقتلا : أي من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرضهما للقتل . ( 3 ) دفت دافة من قومكم : أي أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ، ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا . ( 4 ) يختزلونا : يعوقوننا عنها . ( 5 ) يحضنونا : يحبسوه عنا . ( 6 ) أنا جذيلها المحكّك : وعذيقها المرجّب : أي قد جربتني الأمور ، ولي رأي وعلم يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربى بهذا الجذل ، وصغره على جهة المدح .