صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4859
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب ، فهو أبدا يظنّ أنّ الموت يكون بين يديه ولا يقدّر نزوله به ووقوعه فيه ، وهو أبدا يظنّ أنّه يشيّع الجنائز ولا يقدّر أن تشيّع جنازته ، لأنّ هذا قد تكرّر عليه وألفه وهو مشاهدة موت غيره ، فأمّا موت نفسه فلم يألفه ، ولم يتصوّر أن يألفه فإنّه لم يقع ، وإذا وقع في دفعة أخرى بعد هذه ، فهو الأوّل وهو الآخر . علاج طول الأمل : وسبيله أن يقيس نفسه بغيره ، ويعلم أنّه لا بدّ وأن تحمل جنازته ويدفن في قبره ، ولعلّ اللّبن الّذي يغطّي به لحده قد ضرب وفرغ منه وهو لا يدري فتسويفه جهل محض . وإذا عرفت أنّ سببه الجهل وحبّ الدّنيا فعلاجه دفع سببه . أمّا الجهل فيدفع بالفكر الصّافي والحكمة البالغة . وأمّا حبّ الدّنيا ، فالعلاج في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الّذي أعيا الأوّلين والآخرين علاجه ؛ ولا علاج له إلّا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثّواب ، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حبّ الدّنيا ، فإنّ حبّ الخطير هو الّذي يمحو عن القلب حبّ الحقير . فإذا رأى حقارة الدّنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدّنيا كلّها ، وإن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب ، وكيف وليس عنده من الدّنيا إلّا قدر يسير مكدّر منغّص ، فكيف يفرح بها أو يترسّخ في القلب حبّها مع الإيمان بالآخرة ؟ فنسأل اللّه تعالى أن يرينا الدّنيا كما أراها الصّالحين من عباده . بيان مراتب الناس في طول الأمل وقصره : اعلم أنّ النّاس في ذلك يتفاوتون ؛ فمنهم من يأمل البقاء ، ويشتهي ذلك أبدا . قال اللّه تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ( البقرة / 96 ) . ومنهم من يأمل البقاء إلى الهرم وهو أقصى العمر الّذي شاهده ورآه وهو الّذي يحبّ الدّنيا حبّا شديدا . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلب الشّيخ شاب على حبّ اثنتين : طول الحياة وحبّ المال » . ومنهم من يأمل إلى سنة فلا يشتغل بتدبير ما وراءها فلا يقدّر لنفسه وجودا في عام قابل ، ولكنّ هذا يستعدّ في الصّيف للشّتاء وفي الشتاء للصّيف . فإذا جمع ما يكفيه لسنته اشتغل بالعبادة . ومنهم من يأمل مدّة الصّيف أو الشّتاء ، فلا يدّخر في الصّيف ثياب الشّتاء ولا في الشّتاء ثياب الصّيف . ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة ، فلا يستعدّ إلّا لنهاره وأمّا للغد فلا . قال عيسى عليه السّلام : لا تهتمّوا برزق غد . فإن يكن غد من آجالكم فستأتي فيه أرزاقكم مع آجالكم ، وإن لم يكن من آجالكم فلا تهتمّوا لآجال غيركم « 1 » . [ للاستزادة : انظر صفات : الإعراض - الأمن من المكر - الغفلة - الوهم - التفريط والإفراط - اتباع الهوى - الطيش . وفي ضد ذلك : انظر صفات : تذكر الموت - الزهد - التدبر - محاسبة النفس - الورع - التفكر - التأمل - النظر والتبصر - البصيرة ] .
--> ( 1 ) إحياء علوم الدين ( 4 / 486 ) بتصرف .