صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4711

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

العالمين . ولهذا قالوا لآلهتهم في النّار : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( الشعراء / 97 - 98 ) مع إقرارهم بأنّ اللّه وحده خالق كلّ شيء ، وربّه ومليكه ، وأنّ آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ، ولا تحيي ولا تميت . وإنّما كانت هذه التّسوية في المحبّة والتّعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم ، بل كلّهم يحبّون معبوداتهم ويعظّمونها ويوالونها من دون اللّه . وكثير منهم بل أكثرهم يحبّون آلهتهم أعظم من محبّة اللّه . ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر اللّه وحده ، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم ممّا يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين ، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب اللّيث إذا حرد ، وإذا انتهكت حرمات اللّه لم يغضبوا لها ، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تنكر له قلوبهم . وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة ، وترى أحدهم قد اتّخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون اللّه على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد ، وإن عثر وإن مرض وإن استوحش فذكر إلهه ومعبوده من دون اللّه هو الغالب على قلبه ولسانه . وهو لا ينكر ذلك ، ويزعم أنّه باب حاجته إلى اللّه ، وشفيعه عنده ، ووسيلته إليه . وهكذا كان عبّاد الأصنام سواء . وهذا القدر هو الّذي قام بقلوبهم ، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم . فأولئك كانت آلهتهم من الحجر ، وغيرهم اتّخذوها من البشر . قال اللّه تعالى ، حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( الزمر / 3 ) . ثمّ شهد عليهم بالكفر والكذب ، وأخبر أنّه لا يهديهم فقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ ( الزمر / 3 ) . فهذه حال من اتّخذ من دون اللّه وليّا يزعم أنّه يقرّبه إلى اللّه . وما أعزّ من يخلص من هذا ؟ بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره . والّذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللّه ، وهذا عين الشّرك . وقد أنكر اللّه عليهم ذلك في كتابه وأبطله ، وأخبر أنّ الشّفاعة كلّها له ، وأنّه لا يشفع عنده أحد إلّا لمن أذن اللّه أن يشفع فيه . ومن جهل المشرك : اعتقاده أنّ من اتّخذه وليّا أو شفيعا أنّه يشفع له ، وينفعه عند اللّه كما يكون خواصّ الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم ، ولم يعلموا أنّ اللّه لا يشفع عنده أحد إلّا بإذنه ، ولا يأذن في الشّفاعة إلّا لمن رضي قوله وعمله . كما قال تعالى في الأصل الأوّل : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( البقرة / 255 ) . وفي الأصل الثّاني : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ( الأنبياء / 28 ) . وبقي أصل ثالث ، وهو أنّه لا يرضى من القول والعمل إلّا التّوحيد ، واتّباع الرّسول . وعن هاتين الكلمتين يسأل الأوّلين والآخرين . كما قال أبو العالية : كلمتان يسأل عنهما الأوّلون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟ .