صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4682

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك ، ولا يغرّنّك أن كانت جارتك « 1 » هي أوسم « 2 » وأحبّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منك ( يريد عائشة ) . قال : - وكان لي جار من الأنصار - فكنّا نتناوب النّزول « 3 » إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينزل يوما وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك ، وكنّا نتحدّث أنّ غسّان تنعل الخيل « 4 » لتغزونا . فنزل صاحبي . ثمّ أتاني عشاء فضرب بابي . ثمّ ناداني فخرجت إليه فقال : حدث أمر عظيم . قلت : ماذا ؟ أجاءت غسّان ؟ قال : لا . بل أعظم من ذلك وأطول . طلّق النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه . فقلت : قد خابت حفصة وخسرت . قد كنت أظنّ هذا كائنا حتّى إذا صلّيت الصّبح شددت عليّ ثيابي ، ثمّ نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي ، فقلت : أطلّقكنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقالت : لا أدري . ها هو ذا معتزل في هذه المشربة . فأتيت غلاما له أسود . فقلت : استأذن لعمر . فدخل ثمّ خرج إليّ فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فانطلقت حتّى انتهيت إلى المنبر فجلست فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم ، فجلست قليلا ثمّ غلبني ما أجد ، ثمّ أتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر . فدخل ثمّ خرج إليّ ؟ فقال : قد ذكرتك له فصمت . فولّيت مدبرا فإذا الغلام يدعوني . فقال : ادخل فقد أذن لك . فدخلت فسلّمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا هو متّكيء على رمل حصير « 5 » . قد أثّر في جنبه . فقلت : أطلّقت يا رسول اللّه نساءك ؟ فرفع رأسه إليّ وقال : « لا » فقلت : اللّه أكبر . لو رأيتنا يا رسول اللّه - وكنّا معشر قريش قوما نغلب النّساء - فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم فتغضّبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني . فقالت : ما تنكر أن أراجعك ؟ فو اللّه إنّ أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه ، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل . فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهنّ وخسر . أفتأمن إحداهنّ أن يغضب اللّه عليها لغضب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . فإذا هي قد هلكت ؟ فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقلت : يا رسول اللّه ، قد دخلت على حفصة فقلت : لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحبّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منك . فتبسّم أخرى فقلت : أستأنس « 6 » يا رسول اللّه ؟ قال : « نعم » فجلست . فرفعت رأسي في البيت فو اللّه ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر إلّا أهبا ثلاثة « 7 » . فقلت : ادع اللّه يا رسول اللّه أن يوسّع على أمّتك ؛ فقد وسّع على فارس والرّوم - وهم لا يعبدون اللّه - فاستوى جالسا ثمّ قال : « أفي شكّ أنت يا بن الخطّاب ؟ أولئك

--> ( 1 ) جارتك : أي ضرتك . ( 2 ) أوسم : أي أحسن وأجمل . والوسامة الجمال . ( 3 ) فكنا نتناوب النزول : يعني من العوالي إلى مهبط الوحي . والتناوب أن تفعل الشيء مرة ، ويفعل الآخر مرة أخرى . ( 4 ) تنعل الخيل : أي يجعلون لخيلوهم نعالا لغزونا . يعني يتهيأون لقتالنا . ( 5 ) على رمل حصير : هو بفتح الراء وإسكان الميم . يقال : رملت الحصير وأرملته ، إذا نسجته . وحصير مرمول أي منسوج . ( 6 ) أستأنس يا رسول اللّه : الظاهر من إجابته صلّى اللّه عليه وسلّم أن الاستئناس ، هنا هو الاستئذان في الأنس والمحادثة ، ويدل عليه قوله : فجلست . ( 7 ) أهبا : بحركات جمع إهاب على غير قياس .